﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾
كم منّا قرأ هذه الآية، ومرّ عليها، دون أن ينتبه إلى أنها تصف قانونًا ممتدًا في كل ما حولنا؟
الله يُبدئ ويُعيد.
يبدأ الليل، ثم يعيده في موعده، ويأتي النهار ثم يعيده.
يبدأ الربيع، ثم يأتي الصيف والخريف والشتاء، ثم تعود الأرض إلى ربيعها من جديد.
تنزل قطرة المطر، تنبت الأرض، تخضرّ، ثم تذبل، ثم تعود الحياة إليها حين ينزل المطر من جديد.
وفي أجسادنا أيضًا هذا القانون حاضر:
نَفَس يدخل ونَفَس يخرج، قلب ينقبض ثم ينبسط، نوم يعقبه يقظة، وجسد يتجدد باستمرار.
وفي الكون حركة لا تتوقف؛ أجرام تدور في أفلاكها، وكل شيء يتحرك وفق نظام لا يختل.
وكأن الحياة كلها تقول لنا:
لا شيء يقف ساكنًا؛ هناك بدءٌ وإعادة، حركةٌ وعودة، ودورانٌ حول نظامٍ أودعه الله في خلقه.
ثم نصل إلى العبادة، فنجد أن الله لم يجعل الطواف مجرد مشي حول بناء.بل جعلنا ندور.
سبعة أشواط، حول مركز ثابت، في حركة متصلة، لا نخرج عنها ولا نغيّر اتجاهها.
وهنا يستوقفني سؤال:
كم منّا يعرف أنه حين يطوف، فإنه يمارس بجسده معنى من أعظم معاني هذا القانون الإلهي: «يُبدئ ويُعيد»؟
وكم منّا يتوقف ليسأل نفسه:ما معنى أن أطوف؟
الطواف ليس مجرد حركة للجسد حول الكعبة.
إنه حركةٌ لها مركز.
أنت تتحرك، لكن المركز ثابت.
أنت تدور، لكنك لا تختار لنفسك مركزًا آخر.
تتحرك في دائرة، ولكن حركتك ليست عبثًا؛ لها اتجاه، ولها غاية، ولها مركز.
وربما هنا يكمن أحد أعمق معاني الطواف:
أن يتعلم الإنسان أين يجب أن يكون مركز حياته.
فكما أن جسدك في الطواف يدور حول الكعبة، فإن روحك مدعوّة لأن تدور حول الله، لا حول نفسها.لا حول المال.
لا حول السلطة.لا حول الناس.لا حول إعجابهم بك أو خوفهم منك.ولا حول رغباتك وأهوائك.
فالإنسان قد يبدو من الخارج أنه يعيش، ويتحرك، وينجز، لكنه في الحقيقة قد يكون يطوف طوال حياته حول شيء آخر.
وحين يتغير المركز، تتغير كل الحركة.
لذلك ربما كان الطواف درسًا لا يكتفي بأن نتعلمه في الحج والعمرة، بل أن نحمله معنا بعد أن نغادر مكة:حول ماذا تدور حياتي؟ومن هو مركزها؟
فقد يطوف الجسد حول الكعبة، بينما يبقى القلب يطوف حول الدنيا.
والغاية أن يحدث الأمران معًا:
أن يدور الجسد حول البيت،وأن يعود القلب إلى ربّ البيت.
وحين يقول الطائف: «الله أكبر»، فكأنه يعلن أن المركز ليس هو نفسه، ولا الدنيا، ولا ما يملك، ولا من يملك أمره من البشر.الله أكبر.أكبر من كل ما شغل القلب،وأكبر من كل ما خافه الإنسان،وأكبر من كل ما ظنه مركزًا لحياته.
وهنا يصبح الطواف أكثر من عبادة نؤديها.يصبح تذكيرًا:
أنك لست مركز الكون، وأن حياتك لا تستقيم حتى تعرف حول من ينبغي أن تدور.
