العلم قد يسكن في الذاكرة،أما المعرفة الحقيقية فتسكن في القرار.وبينهما منزلة كثيرًا ما نغفل عنها: العقيدة.
فالعلم يضع الحقيقة في العقل،والعقيدة تعقدها في القلب،
والمعرفة تجعلها حيّة في الوجدان،ثم يأتي السلوك ليكشف لنا:هل بقيت الحقيقة فكرة، أم أصبحت إنسانًا؟
قد تعرف عن الله كثيرًا،وتقرأ في أسمائه وصفاته،
وتحفظ الآيات والأحاديث،وتستطيع أن تشرح للناس ما لا يعرفون.لكن السؤال الذي لا يستطيع العلم وحده أن يجيب عنه هو:ماذا فعل هذا العلم بك؟
إذا علمتَ أن الله يراك،فماذا تفعل حين لا يراك أحد؟
إذا آمنتَ بأنه عادل،فهل تعدل حين يكون الظلم في مصلحتك؟
إذا عرفتَ أنه رحيم،فهل يزداد قلبك رحمة بالضعفاء؟
إذا أيقنتَ أنه الغفور،فهل تتعلم أن تعفو؟
إذا آمنتَ بأن الرزق بيده،فهل يقلّ خوفك من الناس؟
إذا عرفتَ أنه لا يضيع عنده شيء،فهل تصبر حين لا يُنصفك أحد؟
هنا تبدأ المسافة الحقيقية بين العلم والمعرفة.
فليس كل ما عرفه العقل انعقد عليه القلب،
وليس كل ما انعقد عليه القلب حكم السلوك.
قد يعرف الإنسان الحق، ثم يخالفه.
وقد يؤمن بالمبدأ،ثم يتخلى عنه عندما يصبح الالتزام به مكلفًا.
وقد يتحدث عن الله طويلًا،ثم تكشفه لحظة واحدة يكون فيها بين أمر الله ورغبة نفسه.
هناك يُختبر ما في القلب.
ولهذا فإن العقيدة في أعمق معانيها ليست قائمة من المعلومات التي نحفظها، بل هي ما انعقد عليه القلب حتى أصبح هو الذي يقود الاختيار.
أن تقول: «الله يراقبني» معلومة.
أما أن تكون وحدك، وتستطيع أن تفعل ما تشاء، ثم تتراجع لأنك تستحضر نظر الله إليك؛فهنا تحولت المعلومة إلى عقيدة،والعقيدة إلى معرفة،والمعرفة إلى سلوك.
أن تعرف أن الله هو الرزاق علم،وأن يستقر في قلبك أنك لن تفقد رزقًا كتبه الله لك عقيدة،وأن لا تبيع ضميرك خوفًا من إنسان معرفة،وأن ترفض الحرام ولو كان فيه مكسبك سلوك.
لهذا قد يكون الإنسان عالمًا بالله، لكنه لم يصبح بعد عارفًا بالله.
فالعلم يستطيع أن يخبرك عن الطريق،أما المعرفة فتجعلك تسير فيه.والعقيدة هي الجسر بين الاثنين:ما يتلقاه العقل من حقائق،ثم يعقد عليه القلب،حتى يصبح لهذه الحقائق سلطان على الإرادة.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكفي كثرة المعرفة النظرية وحدها.
فقد يمتلئ الرأس بمعلومات عن التوحيد،بينما القلب معلّق بالخلق.
وقد يحفظ الإنسان أبواب التوكل،بينما يعيش خائفًا من الناس.
وقد يشرح معنى التقوى،ثم يضعف أمام شهوة.
وقد يتحدث عن الإخلاص،بينما يحتاج في كل عمل إلى عين تراه وتصفيق يسمعه.
المشكلة إذًا ليست دائمًا في غياب العلم،بل في أن العلم لم يقطع المسافة كاملة إلى القلب.
ولذلك فإن أخطر سؤال يمكن أن يسأله الإنسان لنفسه ليس:كم أعرف عن الله؟بل:إلى أي حدّ يحكم ما أعرفه عن الله حياتي؟
لأن المعرفة بالله لا تظهر فقط في المسجد،ولا في الكتب،
ولا في الحديث الديني.
تظهر في المال حين تكون قادرًا على أخذ ما ليس لك.
تظهر في السلطة حين تستطيع أن تظلم ولا يستطيع أحد ردّك.
تظهر في الخصومة حين يكون الانتقام ممكنًا.
تظهر في الخلوة حين تسقط أعين الناس من الحساب.
وتظهر في الألم حين لا تفهم لماذا حدث ما حدث،
ومع ذلك لا تسقط ثقتك بالله.
فالعلم قد يجعلك قادرًا على الكلام عن الله،أما المعرفة الحقيقية فتجعلك تتغير بالله.
وما لم تصل الحقيقة إلى السلوك،فلا يزال في الطريق شيء لم يكتمل.