نحن نستخدم كلمة «الغريزة» بسهولة شديدة.
نقول: النحلة تفعل ذلك بالغريزة، والطائر يبني عشه بالغريزة، والحيوان يعرف كيف يحمي صغاره بالغريزة، وبعض الكائنات تعرف طريقها، وموطنها، ووقت هجرتها، وكيف تتكيف مع بيئتها بالغريزة.ثم نمضي.
لكن ماذا لو كانت كلمة «الغريزة» لا تنهي السؤال، بل تفتحه؟
أولًا: الغريزة،هداية في الخلق
تأمل النحلة.
ذلك الكائن الصغير الذي يولد وهو يعرف كيف يعيش في عالمه، كيف يبني، وكيف يجمع، وكيف يؤدي دوره داخل خلية بالغة التنظيم.
لم تدخل مدرسة، ولم تجلس إلى معلّم يشرح لها وظيفتها.
ومع ذلك، تعرف.
والقرآن حين يحدثنا عن النحل لا يكتفي بأن يصف لنا ما تفعل، بل يقول:
﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
ثم يقول:﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾.
نحن نسمي هذا «غريزة».لكن ما الغريزة؟
هي كلمة تصف لنا ما يحدث، لكنها لا تجيب بالضرورة عن السؤال الأعمق:من أين جاءت هذه الهداية؟كيف يعرف كائن ما لم يتعلمه؟وكيف يأتي إلى الحياة وفي تكوينه ما يعينه على الحياة؟
الطائر لا يحمل كتابًا عن بناء الأعشاش.
والكائن الذي يولد في بيئة قاسية لا يتلقى دورة تدريبية في كيفية مواجهتها.
والصغير يعرف حاجته إلى أمه قبل أن يتعلم معنى الأمومة.
كأن كل مخلوق يحمل في داخله شيئًا من «دليل الاستخدام» الخاص به.يعرف ما لم يتعلمه.
ويهتدي إلى ما لم يُشرح له.ويؤدي ما لم يُدرَّب عليه.
وهنا تأتي الآية التي تفتح لنا المعنى الأوسع:
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾.قدّر فهدى.
ثم يقول سبحانه:﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
فالهداية ليست دائمًا صوتًا نسمعه، ولا طريقًا نراه، ولا درسًا نتلقاه.
قد تكون هدايةً مغروسة في التكوين نفسه.
قد تكون في تلك القدرة التي تجعل المخلوق يعرف متى يتحرك، وأين يذهب، وكيف يتصرف، وما الذي يحفظ حياته.إنها معجزة بكل ما للكلمة من معنى.علم بلا معلّم بشري.هداية بلا درس.نظام بلا كتاب.وتدبير يسكن في كائن لم نصنعه ولم نعلّمه.
وهنا، في ظني، تكمن إحدى أجمل الدهشات التي يفتحها لنا القرآن:أن الخلق ليس مجرد وجود.إنه تقدير يتبعه هدى.وأن ما نسميه نحن «غريزة» قد يكون أحد الوجوه التي تظهر فيها هذه الهداية المودعة في الخلق.
ثانيًا: نحن الذين فقدنا الدهشة
لكن المشكلة ليست في الغريزة.المشكلة فينا نحن.لقد فقدنا الدهشة.اعتدنا الأشياء إلى درجة أننا لم نعد نراها.
تمر النحلة أمامنا فلا نتوقف.نرى الطائر يبني عشه فلا نسأل.نشاهد البذرة تشق التراب، ثم تتحول إلى نبات، فلا نكاد نرفع أعيننا عن شاشاتنا.
نعرف أسماء الظواهر، فنظن أننا عرفنا أسرارها.نقول: «غريزة».وكأننا بذلك أجبنا عن السؤال.
بينما قد تكون الغريزة نفسها واحدة من أكبر الآيات.
وهكذا أصبح العجيب مألوفًا، والمعجزة «طبيعة»، والآية «ظاهرة»، والخلق الذي يستحق التأمل مجرد معلومة في كتاب.
انشغلنا بالقشور حتى فقدنا القدرة على النظر إلى العمق.
صرنا نعرف كيف تعمل الأشياء، فننسى أن نسأل عن سر وجودها، وعن الحكمة التي وراء هذا النظام كله.
والقرآن يعيدنا إلى النظر.إلى التفكر.إلى تلك العين التي لا تكتفي بأن ترى، بل تتأمل ما ترى.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ… وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ثم يقول:
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
لكن الآية تحتاج إلى عين تراها، وعقل يتفكر فيها، وقلب لا يكون قد اعتادها إلى حد الغفلة.
ربما لم تختفِ المعجزات من حولنا.نحن الذين اعتدناها.
وربما ليست المشكلة أن العالم صار أقل إدهاشًا؛بل أن قلوبنا صارت أقل دهشة.
لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها مخلوقًا يعرف ما لم يتعلمه، ويتجه إلى ما لم يُرشده إليه أحد، ويؤدي دوره بدقة مدهشة، لا تقل فقط:هذه غريزته.
توقف لحظة واسأل:من الذي هداه؟
عندها فقط، ربما نكون قد بدأنا نرى الآية التي كانت أمام أعيننا طوال الوقت.