القرآن لم يتحدث عن النفس بصيغة واحدة، وإنما كشف لنا عن مراتبها:
النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنّة.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]
وبين النفس الأمّارة والنفس المطمئنّة، تقوم النفس اللوّامة؛ تلك التي تستيقظ فيها البصيرة، فيبدأ الإنسان برؤية نفسه كما هي، لا كما يحب أن يراها.
ولعلّ من عظمة هذه النفس أن الله أقسم بها:﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾.
إنها النفس التي لا تترك صاحبها مستسلمًا لهواه؛ تراجعه إذا أخطأ، وتوقظه إذا غفل، وتدعوه إلى تصحيح الطريق كلما انحرف عنه.
إنها معراج النفس من الأمّارة إلى المطمئنّة.
وفيها يبدأ سرّ السلام والتصالح مع النفس.
فحين تستيقظ النفس اللوّامة، تبدأ في البحث عن موضع السكينة الحقيقي، فتكتشف أن السلام لا تصنعه الظروف، ولا تمنحه الحياة، ولا يرتبط بامتلاك الإنسان لكل ما يريد.
إنه يبدأ من العلاقة بالله.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
والذكر ليس مجرد ترديد اللسان؛ بل أن يبقى الله حاضرًا في القلب والوعي والسلوك، في السراء والضراء.
تذكره حين تخاف، فلا يستولي الخوف على قلبك، وتستمد منه الأمن:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وتذكره حين تصيبك مصيبة، فتستقبلها بالصبر والرجوع إليه:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156].
وتذكره حين يشتد حزنك، فتتذكر أن الله أقرب إليك مما تظن:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].
وتذكره حين يقلقك المستقبل، فتفوّض أمرك إليه:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
وتذكره حين يشتد غضبك، فلا تترك انفعالك يقودك، بل تكظم غيظك:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134].
ثم تصعد النفس درجة أخرى، فلا تكتفي بكظم الغيظ، بل تعفو:
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134].
ثم تصعد أبعد من العفو إلى الإحسان:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وهكذا لا يعود الذكر كلمات تُقال، بل يصبح حضورًا لله في كل موقف؛ يغيّر طريقة الإنسان في الخوف، والحزن، والغضب، والألم، والخصومة، والقدرة.
وحين يضع الإنسان ما لا يستطيع تغييره في يد الله، ويصلح ما يستطيع إصلاحه، تخفّ خصومته مع الحياة، وتخفّ خصومته مع نفسه.
فتتصالح النفس مع ضعفها دون أن تستسلم له، ومع ماضيها دون أن تبقى أسيرة له، ومع ما فقدته دون أن تجعل الفقد يهزمها.
وهنا تبلغ النفس غايتها.
لا تعود أمّارةً بالسوء تقودها الشهوة، ولا لوّامةً تجاهد للخلاص من أسرها، بل تصبح مطمئنّة؛ سكنت إلى ربها، ورضيت به، ورضي عنها:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30]
