هذه الدنيا أوسع بكثير من الهمّ الذي نعيش فيه.
أوسع من خسارةٍ نظن أنها نهاية الطريق، ومن علاقةٍ نظن أن الحياة لا معنى لها من دونها، ومن شخصٍ جعلناه محور أيامنا، ومن موقفٍ علقنا عنده حتى صار أكبر من أعمارنا.العالم أرحب من ذلك كله.
في كل يوم تُفتح أبواب جديدة، وتولد أفكار جديدة، وتُكتشف آفاق لم تكن تخطر للإنسان على بال.
في هذا الكون مسافات لا تنتهي، وأسرار لم تُكتشف، وعلوم لم تولد بعد، وأماكن لم تطأها قدم، وأسئلة ما زالت تنتظر عقولًا تبحث عنها.
والقرآن نفسه يلفت الإنسان إلى معنى السعة، فيقول:
﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
فالسعة ليست دائمًا في اتساع المكان؛ قد تكون في أن يخرج الإنسان من المكان الضيق الذي حبس نفسه فيه، وأن يعرف أن وراء الباب الذي أغلقه على نفسه أبوابًا أخرى.
ومع ذلك، قد يختار الإنسان أن يعيش داخل مساحة ضيقة جدًا من هذا الوجود؛
داخل مشكلة، أو خصومة، أو غيرة، أو خوف، أو رغبة في الانتقام، أو حزن قديم، أو رغبة لم تتحقق.
فيحوّل شيئًا صغيرًا من حياته إلى حياته كلها.
وهنا تبدأ المأساة.
أن تكون الدنيا واسعة، ثم تضيقها أنت على نفسك.
أن يكون أمامك ألف طريق، فتقف عند بابٍ واحدٍ مغلق.
أن يكون في الحياة من المعاني ما يستحق أن يُعاش، فتختصرها في شخص.
أن يكون في العمر متسع للعمل والعلم والعطاء والاكتشاف، فتستهلكه في مراقبة ما في أيدي الآخرين.
أن يهبك الله عقلًا يستطيع أن ينظر إلى السماء، فيبقى أسيرًا لما يؤلمه على الأرض.
ولعل أول طريق الخروج من هذا السجن أن نتعلم أن نخرج من همومنا الذاتية.
فلا يبقى الإنسان محصورًا في سؤال:ماذا حدث لي؟
وماذا خسرت؟وماذا أعطاني الآخر ولم يعطني؟
ولماذا لم أحصل على ما أريد؟
بل يبدأ في السؤال الأوسع:ماذا أستطيع أن أفعل؟
ماذا أستطيع أن أضيف؟ كيف يمكن أن يكون لوجودي معنى يتجاوزني؟
وهنا تأتي الآية التي تعيد الإنسان إلى مسؤوليته عن حركته في الحياة:﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾.
فليس الإنسان مطالبًا بأن يملك كل شيء، وإنما أن يسعى فيما يستطيع.
وعندها ينتقل الإنسان من ذاته إلى الوطن الأكبر؛
فيحمل همّ مجتمعه، ويهتم بما يصيب الناس، ويشعر أن صلاح الحياة من حوله ليس شأنًا يخص الآخرين وحدهم.
ثم يتجاوز الوطن إلى الإنسانية الكبرى؛
فلا يعود ألمه محصورًا في حدود جغرافية، ولا يصبح الإنسان عنده مهمًا لأنه ينتمي إلى قومه أو لغته أو أرضه، وإنما لأنه إنسان.
ثم يتسع النظر أكثر.
من الإنسان إلى الطبيعة، إلى الأرض والسماء والحياة والكائنات، إلى هذا النظام المدهش الذي نعيش داخله ولا نكاد نتوقف أمام عظمته.
وهنا يدعونا القرآن إلى الخروج من ضيق الذات إلى رحابة النظر والتفكر:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
فكلما اتسعت دائرة النظر، صغر سجن الذات.
ثم أبعد من ذلك كله:
إلى الله.
إلى الذي جئنا من غيبه، ونعيش في ملكه، وإليه المصير.
وهناك، حين يتأمل الإنسان هذا الكون، لا يرى اتساعه مجرد اتساعٍ مادي، وإنما يرى وراءه حكمةً وقصدًا ومعنى.
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾.
عندها تتغير أحجام الأشياء في أعيننا.
ما كان بالأمس كارثة يصبح حادثة في طريق طويل.
وما كان يحتل القلب كله يعود إلى حجمه الحقيقي.
والذي كان يظن أن العالم انتهى لأنه خسر شخصًا، يدرك أن العالم لم يكن يومًا شخصًا واحدًا.
والذي كان يحترق لأن غيره امتلك ما لم يمتلكه، يتذكر أن الله هو الذي قال:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
والذي يحمل حزنًا قديمًا ويظن أن ما فاته قد صادر مستقبله، يحتاج أن يسمع:﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
والذي أغلق على نفسه باب الحياة بسبب خيبة، أو استسلم لليأس حتى لم يعد يرى منفذًا، يكفيه أن يتذكر:
﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
والذي يظن أن الطريق قد انتهى، وأن الأبواب كلها أُغلقت، يتذكر وعد الله:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
فالحياة لا تنحصر في بابٍ أغلق، ولا في شخصٍ غاب، ولا في فرصةٍ ضاعت، ولا في ظلمٍ وقع، ولا في رغبةٍ لم تتحقق.
الدنيا أوسع.والكون أوسع.
والإنسان نفسه أوسع مما يتصور حين يحصر ذاته في همّه.فلا تجعل شيئًا واحدًا يحتلّ حياتك كلها.اخرج من نفسك قليلًا.انظر إلى ما حولك.
ثم ارفع بصرك إلى السماء.
فربما اكتشفت أن ما كنت تظنه نهاية العالم لم يكن إلا نهاية مساحة ضيقة كنت تعيش داخلها.
وأن الله الذي وسّع الأرض، ووسّع السماء، ووسّع آفاق الحياة، لم يخلقك لتدفن روحك في جحرٍ من همومك.
فلماذا نضيّق على أنفسنا ما وسّعه الله؟