قال لي إنه لا يتابع كثيرا ما أكتب، لأنني أكثر من الحديث عن الدين، ولأنه يعتبر أن الدين «مخدّر الشعوب».
فهمتُ من عبارته أنه يستعيد، ولو بصورة غير مباشرة، مقولة ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب».
لكنني أكتب عن الدين للسبب المعاكس تمامًا.
ولكي نعرف إن كان هذا الوصف ينطبق على الإسلام، فلنضعه تحت الاختبار.
ما الذي يفعله الأفيون؟
إنه يُغيّب الوعي، ويُسكّن الألم، ويُضعف الإرادة، ويجعل الإنسان أكثر قابلية للاستسلام، ويصرفه عن مواجهة أسباب ألمه.
فهل يفعل الإسلام ذلك؟
أولًا: الأفيون يُغيّب الوعي، أما الإسلام فيوقظ العقل.
القرآن لا يطلب من الإنسان أن يؤمن بلا تفكير، بل يكرر دعوته إلى استعمال العقل:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
بل يجعل القرآن تعطيل العقل سببًا للضلال:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا… أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
فأي دينٍ هذا الذي يبدأ بإيقاظ العقل، ثم يُسمّى مخدّرًا للعقل؟
ثانيًا: الأفيون يُسكّن الألم، أما الإسلام فيحوّل الألم إلى مسؤولية.
الإسلام لا يقول للمظلوم: اصبر لأن ظلمك لا يهم.
بل يسمّي الظلم ظلمًا، ويجعل العدل أمرًا إلهيًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ويأمر المؤمنين أن يقفوا مع الحق ولو كان على أنفسهم:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾.
ولا يسمح حتى بأن يتحول بغض الإنسان لخصمه إلى مبرر للظلم:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
فالدين هنا لا يُسكّن الحس الأخلاقي بل يجعله أكثر يقظة.
ثالثًا: الأفيون يُضعف الإرادة، أما الإسلام فيحمّل الإنسان مسؤولية سعيه.
يقول:﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾.ويقول:﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.ويقول:﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
لاحظ ترتيب المعنى: عزم، ثم توكل.
لا توكلٌ يلغي العمل، ولا إيمانٌ يلغي الإرادة.
رابعًا: الأفيون يجعل الإنسان مستسلمًا لواقعه، أما الإسلام فيدعوه إلى التغيير.
من أكثر الآيات وضوحًا:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
والقرآن لا يمدح القعود، بل يقول:﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾.
فالإنسان في الإسلام ليس متلقيًا سلبيًا لما يحدث له؛ له إرادة، وله سعي، وله مسؤولية.
خامسًا: الأفيون يدفع إلى الهروب من الظلم، أما الإسلام فينهى عن الركون إليه.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
ولا يقف الأمر عند عدم المشاركة في الظلم، بل يأمر القرآن بالقيام بالقسط:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.
ويقول:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
فالمؤمن ليس مطلوبًا منه أن ينسحب من الحياة كي ينجو بنفسه؛ بل هو مسؤول عن موقفه منها.
سادسًا: الأفيون يعلّم الإنسان قبول العجز، أما الإسلام فيأمره بدفع الظلم.
انظر إلى قوله تعالى:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
فالآية لا تخاطب المظلوم وحده، بل تخاطب القادرين على نصرته:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾.
إنها تنقل المسؤولية من مجرد الشعور بالألم إلى فعلٍ تجاه صاحب الألم.
سابعًا: الأفيون يجعل الفقر سببًا للاستسلام، أما الإسلام فيجعل للفقير حقًا في مال المجتمع.
فالمال في الإسلام ليس امتيازًا مطلقًا لصاحبه:﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ويقول:﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
ويحذّر من احتكار المال وتداوله في دائرة الأقوياء:﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾.
فالإسلام لا يقدّس امتلاك القوة والمال، بل يربطهما بالمسؤولية والحق.
ثامنًا: الأفيون يجعل القدر ذريعة للعجز، أما الإسلام فيجمع بين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب.
الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل.
فالقرآن يقول:﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾،
ويقول:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾،
ويقول:﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
فالقدر لا يلغي السبب، والتوكل لا يلغي السعي.
تاسعًا: الأفيون يخدّر الضمير، أما الإسلام فيضع الإنسان أمام مسؤولية الحساب.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
ويقول:﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
فالإنسان في التصور الإسلامي ليس بلا حساب.
كل فعل له تبعة، وكل ظلم له حساب، وكل قوةٍ يُسأل صاحبها عن كيفية استعمالها.
وعاشرًا: حتى الإيمان بالآخرة ليس مخدّرًا للإنسان عن الدنيا.القول بأن الجنة تُستخدم لتسكين المظلوم يفترض أن الإسلام يقول له: تحمّل الظلم واترك الدنيا.
لكن القرآن يفعل العكس.يؤمن بالآخرة، ويأمر بالعدل في الدنيا.يعد بالجزاء، ويحمّل الإنسان المسؤولية.
يأمر بالصبر، ولا يشرّع الظلم.يؤمن بالقدر، ولا يعفي الإنسان من السعي.
قد يُساء استعمال الدين، وقد يُستعمل الخطاب الديني أحيانًا لتبرير الاستسلام أو حماية مصالح الأقوياء.
لكن إساءة استخدام الدين ليست هي الدين.
ولهذا، إذا كنتُ أُكثر من الكتابة عن الدين، فلأنني أراه عكس ما قيل عنه تمامًا.
أنا لا أكتب عنه لأُخدّر الإنسان، بل لأنني أراه مما يوقظه.
يوقظ عقله،ويوقظ ضميره،ويوقظ إحساسه بالمسؤولية،
ويوقظ فيه رفض الظلم،
ويطالبه أن يعمل، وأن يسعى، وأن يعدل، وأن يقف حيث ينبغي للإنسان أن يقف.