أنت ترى من حياة الآخرين نصف الصورة فقط،
أو ربما ربعها،أو عشرها.
قد ترى ما في يد غيرك، فتظن أن كثرة ما عنده دليل على الراحة.
ترى المنزل، ولا ترى السنوات التي قضاها صاحبه في بنائه، ولا تعرف ثمنه: أكان راحةً أم عبئًا، أكان ثمرة تعبٍ مشروع، أم مالًا لا تعرف مصدره.
فليس كل ما يُرى نعمة، ولا كل ما يُمتلك خيرًا.
وقد قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 55].
وترى النجاح، ولا ترى مرات السقوط التي نهض منها صاحبه بصمت.
فالطريق إلى الفتح قد يمر بالابتلاء والانكسار:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: 214].
وترى الضحكة، ولا تعرف ما يحدث بعد إغلاق الباب.
فالإنسان قد يخفي وجعه، وقد يبتسم وفي داخله ما لا يراه أحد.والله وحده يعلم ما تخفي الصدور:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
وترى المال، فتظن أن المال دليل السعادة، وأن كثرة الممتلكات دليل النجاح.لكن انظر إلى قصة قارون.
رآه الناس في زينته، فرأوا الصورة التي أُظهرت لهم، وتمنوا ما عنده:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].
هكذا تبدو المقارنة حين تُبنى على الظاهر فقط:
يا ليت لنا مثل ما أوتي!لكنهم لم يروا الصورة كاملة.
ثم جاءت اللحظة التي انكشفت فيها الحقيقة:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].
عندها قال الذين كانوا بالأمس يتمنون مكانه:
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقَدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82].
كم من صورةٍ أعجبتنا لأننا لم نرَ نهايتها!
وترى الهدوء، ولا ترى المعارك التي خاضها صاحبه حتى وصل إليه.ولا تعرف كم مرة قاوم، وصبر، وثبت:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
أنت ترى ما أظهرته الحياة لك، ولا ترى الثمن الذي دفعه صاحبه.
فلا تقارن بدايتك بنهاية أحد،
ولا تقارن يومك بأجمل يوم في حياة غيرك،
ولا تقارن ما تعيشه في الداخل بما يختار الآخرون أن يُظهروه في الخارج.
لكل إنسان طريقه،وظروفه،وأعباؤه،ومواعيده التي لا تشبه مواعيد الآخرين.
قد يتأخر أحدهم في أمر، ويتقدم في آخر.
وقد يبدو لك أن غيرك سبقك، بينما هو يخوض معركة لا تراها، وأنت تمضي في طريق ربما لا يعرف أحد قيمته سواك.
فلا تجعل حياة الآخرين ميزانًا تقيس به نفسك.
قِس نفسك بنفسك:هل أصبحت اليوم أوعى من الأمس؟
أقوى مما كنت؟أهدأ؟أقرب إلى الله؟أصدق مع نفسك؟
هل قطعت خطوة في الطريق الذي ينبغي أن تمضي فيه؟
فالله لا ينظر إلى صور الناس وأموالهم، وإنما إلى قلوبهم وأعمالهم.قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم».
وليس معيار التفاضل فيما يراه الناس، ولا فيما تملكه الأيدي، وإنما في التقوى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وهنا يكون السباق الحقيقي.
ليس إلى امتلاك ما عند الآخرين،ولا إلى تجاوزهم،
ولا إلى إثبات أنك أفضل منهم.
بل إلى أن تكون أفضل مما كنت عليه أنت.
﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
فالحياة ليست مسابقة في امتلاك الأشياء،ولا في سرعة الوصول،ولا في أن تكون نسخة من أحد.
إن كان لا بد من السباق،فليكن إلى ما يبقى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
ليس المهم أن تصل قبل غيرك،بل أن تصل إلى حيث ينبغي أن تكون.
يكفي أن تكون في الطريق الصحيح،وأن تمضي بالقدر الذي تستطيع،
وأن تعرف أن لكل إنسان رزقه، ورحلته، وابتلاءه، وفتحه.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132].
فلا تقارن نفسك بأحد،فأنت لا تعرف ما وراء الصورة،
ولا تعرف ما وراء الطريق،ولا تعرف ما وراء النهاية.
امضِ في طريقك،وابنِ قصتك،واترك لله توقيت الوصول.

