من حرس الحق في حياته، سيجيء يومٌ يحرسه فيه الحق.وأيُّ يومٍ هذا؟إنه أخطر يوم. يوم تفيض روحه إلى بارئها.يومٌ تنقطع فيه الأسباب، وتسقط فيه كل الحراسات التي صنعها الإنسان لنفسه، ولا يبقى له إلا ربّه.
كيف نسي الناس أن الحق من أسماء الله الحسنى؟
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾[الحج: 62]
فالحق ليس فكرةً مجرّدة، ولا شعارًا نرفعه حين يناسبنا، ثم نتخلّى عنه حين يصبح مكلفًا.
الحق هو الله.ومن عاش للحق، فقد عاش لله.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾[النساء: 135]
فالشهادة تبدأ قبل الموت.
أن تكون قائمًا بالقسط،شاهدًا لله،صادقًا مع الحق ولو كان على نفسك،وألّا تغيّر شهادتك لأن الحق صار مكلفًا، أو لأن الباطل صار أقوى، أو لأن الحق صار وحيدًا.
وقد تمتدّ هذه الشهادة إلى الموت نفسه؛
فليس كل من شهد للحق في حياته ينتهي به الطريق إلى الموت، لكن من امتدّت شهادته حتى بذل روحه، فقد بلغ بالشهادة غايتها.قال تعالى:﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[الأحزاب: 23]﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
تلك هي الشهادة في أعمق معانيها:
أن تبقى على ما عاهدت الله عليه،
وألّا تبدّل حين يشتدّ الطريق،
وألّا تتراجع حين يصبح الحق وحيدًا،
ولو كلّفك ذلك أن تعتزل الناس،
ولو كلّفك كل ما تملك،
ولو بلغ بك الثبات أن تبذل روحك في سبيله.
فأنت رابح.
وهنا تكمن المفارقة:
قد يظنّ الناس أن من خسر الناس من أجل الحق قد خسر،
وأن من بقي وحده قد خُذل،
وأن من بذل روحه قد انتهى.
لكن الحق ـ الله ـ لا يخذل من عاش له.
قد تتخلّى عنه الأيدي التي ظنّها سندًا،
وقد تنقطع عنه الأسباب،وقد يتركه الناس وحيدًا،
لكن الله لا يضيّع من قام له بالحق.
ولذلك يقول:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[آل عمران: 169-170]
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.أي في سبيل الحق اي إنهم لم يموتوا في سبيل الباطل، ولا في سبيل هوىً، ولا في سبيل دنيا؛ وإنما بذلوا أرواحهم لله، وفي سبيله.فلا تحسبنّهم خاسرين.هم أحياء عند ربهم يُرزقون.
لقد حرسوا الحق ما استطاعوا في الدنيا،
فلما انتهت قدرتهم على حراسته، لم يترك الله أرواحهم.
حرسوا الحق في الدنيا، فحرس الله أرواحهم عنده.
وهنا يكتمل منطق الشهادة:
أن تشهد للحق وأنت حيّ،
أن تثبت عليه مهما كان الثمن،
وألّا تستوحش وحدتك إذا قلّ سالكوه،
فإن انتهى بك الطريق إلى بذل روحك، فلا تظن أنك خسرت.
فمن حرس الحق في حياته، سيجيء يومٌ يحرسه فيه الحق.