ولم يبعثنا الله إلى هذه الحياة لننشغل بحراسة أنفسنا من كل خطر، أو نختار السلامة كلما كان للحق ثمنًا، وإنما بعثنا لنحرس الحق من الظلم والظالمين، وأن نقف حيث ينبغي أن يقف الإنسان حين يُمتحن ضميره.
وقد لخّص القرآن هذه المسؤولية في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
لاحظوا التعبير:﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾.
فالعدل ليس موقفًا نأخذه عندما يناسبنا، وإنما قيامٌ دائم، حتى إذا كان ثمنه أن نقف ضد أنفسنا.
وقال سبحانه:﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
فالمطلوب ليس فقط ألا تكون ظالمًا؛
بل ألا تركن إلى الظالم، وألا تمنحه شرعية الصمت، وألا تجعل خوفك على نفسك ذريعةً للتخلي عن الحق.
وفي كلمات السيد المسيح عليه السلام نقرأ المعنى ذاته:
«طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يُشبَعون.»
و:«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدْعَون.»
فالسلام الحقيقي ليس أن تصمت عن الظلم كي لا تضطرب حياتك؛
السلام الحقيقي أن تصنع العدل الذي يمنع الظلم.
لقد اختلطت المفاهيم على الناس، بفعل الإعلام، وبفعل تراجع حضور «ثقافة الله» في حياة الإنسان، حتى غدا بعض من يخرج على الشاشات، بثقةٍ لا يبررها علم ولا بصيرة، يقول:«أنا أحب الحياة».
يا عزيزي، وأنا أيضًا أحب الحياة.ومن لا يحب الحياة؟
ولكن السؤال ليس:هل نحب الحياة؟بل:أيَّ حياة نحب؟
أنا أحب الحياة، ولكن أحبها مع الحق، لا مع الظلم.
أحبها مع العدل، لا مع الاستبداد.مع الكرامة، لا مع المهانة.
مع نصرة المظلوم، لا مع تبرير الظالم.
فالحياة التي يُطلب منك أن تعيشها وأنت ترى الظلم فتسكت، وترى الباطل فتبرّر، وترى المظلوم فتقول: «المهم أن نبقى بخير»؛ ليست حياةً بالمعنى الذي أراده الله.إنها مجرّد بقاء.
والإنسان لم يُخلق ليبقى فحسب، بل خُلق ليكون له موقف، وأمانة، وحق، وضمير.
والقرآن لا يجعل الحياة مجرد استمرار للجسد، بل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
فثمة حياةٌ للبدن،وثمة حياةٌ للقلب،وثمة حياةٌ للضمير، وثمة حياةٌ للحق في الإنسان.
قد يكون الجسد حيًّا،لكن الضمير ميتًا.
وقد يعيش الإنسان طويلًا،ولكنه لم يعش يومًا واحدًا بالمعنى الذي يريده الله.
فالأجل يحرس العمر،أما الإنسان فعليه أن يحرس الحق.
وقد يكون ثمن الحق غاليًا،لكن ثمن السكوت عن الظلم قد يكون أغلى.لأنك قد تنجو بجسدك،ولكن ماذا عن روحك؟
قد تحفظ عمرك،ولكن ماذا عن معنى عمرك؟
قد تبقى حيًّا في الدنيا،
ولكن أيّ حياة تلك التي تعيشها إذا كان عليك أن تموت كل يوم قليلًا كي تبقى؟
الحياة مع الظلم لا تبقى حياة؛إنها مجرّد بقاء.
أما الحياة مع الحق، فقد تكون مكلفة، وقد يكون فيها خوف وتعب وثمن، لكنها وحدها الحياة التي تستحق أن تُعاش.
ولهذا يقول الله تعالى:﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فيا من تقول:
«أنا أحب الحياة»نحن أيضًا نحبها.
لكننا نريدها حياةً لا يُدفن فيها الحق كي يعيش الباطل.

