الظلم لا يعيش بقوة الظالم وحدها؛إنما يعيش أيضًا بأكتاف الذين يحملونه، وألسنة الذين يبررونه، وأقلام الذين يجمّلونه، وأيدي الذين يعينونه، وقلوب الذين يرضون به.
ولذلك لم يأتِ النهي القرآني مقصورًا على فعل الظلم، وإنما جاء أوسع وأدق:﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
تأملوا كلمة ﴿تَرْكَنُوا﴾.
لم يقل سبحانه فقط: لا تظلموا،ولم يقل فقط: لا تعينوا الظالمين،بل قال:﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾.
وكأن هذه الكلمة جاءت لتغلق أبوابًا كثيرة يمكن أن يتسلل منها الظلم إلى حياة الناس.
فالركون قد يكون ميلًا إلى الظالم،
وقد يكون دفاعًا عنه،وقد يكون تبريرًا لفعله،
وقد يكون تجميلًا لجريمته،وقد يكون صمتًا عن ظلمه،
وقد يكون منحه القوة والغطاء،وقد يكون استخدام القلم أو العلم أو النفوذ لتثبيت باطله،
وقد يكون مجرد الرضا بما يفعل لأن الظلم لم يقع عليك.
فالظالم لا يحتاج دائمًا إلى من يشاركه الجريمة بيده؛
يكفي أحيانًا أن يجد من يقول: «له أسبابه»،
ومن يقول: «لا شأن لنا»،
ومن يقول: «الأمر ليس بهذه الخطورة»،
ومن يقلب صورة المظلوم، ويبحث للظالم عن الأعذار.
ومن هنا يأتي موقف موسى عليه السلام ليضع حدًا واضحًا:﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: 17].
تأملوا أيضًا كلمة ﴿ظَهِيرًا﴾.
لم يقل: لن أكون مجرمًا فقط؛بل قال:﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: لن أكون سندًا لهم، ولا معينًا لهم، ولا قوةً يستندون إليها في باطلهم.
وهنا يلتقي النصّان:
﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾و﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
ثم تأتي النتيجة:﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
فالمسألة ليست موقفًا، ولا مجرد ولاءٍ لشخص أو جماعة؛ إنها موقف أخلاقي يُسأل عنه الإنسان أمام الله وربما تكون النار في الدنيا ايضا بالتعرض للظلم نفسه.
فلا تجعل علمك، ولا قلمك، ولا منصبك، ولا شهادتك، ولا نفوذك، جسرًا يعبر عليه الباطل إلى حق إنسان.
ولا تجعل قدرتك على تغيير الحقيقة وسيلةً لتثبيت الظلم؛ فقد تستطيع أن تخدع الناس بمرافعتك، وأن تقلب صورة الحكاية، وأن تجعل المعتدي ضحيةً والمظلوم متهمًا؛ لكنك لا تستطيع أن تخدع الله:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].
فربما لم ترفع يدًا في الظلم، لكنك رفعت عنه الحرج.
وربما لم ترتكب الجريمة، لكنك منحت مرتكبها القوة.
وربما لم تقل كلمة الباطل، لكنك سكتَّ حين كان الحق يحتاج إلى صوتك.
ومن هنا، حين نصل إلى غزة والجنوب، لا يتغير المعيار؛ بل يظهر صدقه.
حين نرى الدم، والبيوت المهدمة، والخوف الذي يسكن الأطفال، والإنسان الذي يُقتلع من أرضه، أو يُقتل، أو يُهجّر، فإن الموقف الأخلاقي لا يجوز أن تحدده الخريطة السياسية، ولا الاصطفاف الحزبي، ولا الهوية التي يحملها المظلوم أو المعتدي.
نحن مع المظلوم لأنه مظلوم.ونرفض العدوان لأنه عدوان.
ونرفض قتل المدنيين لأنه ظلم.
ولا نقبل أن يصبح الدم حلالًا حين يكون القاتل من معسكرنا، وحرامًا حين يكون من معسكر خصمنا.
ولا نقبل أن تكون كرامة الإنسان مرتبطة بالجهة التي ينتمي إليها.
فالحق لا يتبدل بتبدل الأسماء،
والظلم لا يصبح عدلًا لأن الظالم حليف،
والعدوان لا يصبح مشروعًا لأننا نختلف مع ضحيته.
والوقوف مع أهل غزة، ومع أهل الجنوب، ومع كل مظلوم، لا يحتاج إلى أن نتخلى عن ميزان العدل؛ بل يحتاج أن نتمسك به أكثر.
نكون مع المظلوم، من غير أن نبرر ظلمًا آخر.نرفض الظلم أينما كان.ونرفض العدوان أيًّا كان فاعله،ونرفض قتل الأبرياء أيًّا كانت هويتهم،ونرفض أن يتحول الإنسان إلى رقم في حسابات السياسة. :﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]