كيف استطاع ابن سبأ ومن معه أن يقنعوا بعض المسلمين بجور وطغيان الخليفة عثمان بن عفان، ذي النورين، حتى ثاروا عليه وقتلوه وهو يقرأ القرآن؟
كيف استطاع عبد الرحمن بن ملجم، الذي كان يبدو للناس صاحب صلاة ودين وقرآن، أن يقتنع بأن قتل الإمام علي بن أبي طالب، وهو خارج إلى الصلاة، عملٌ يتقرب به إلى الله؟
كيف استطاع من شارك في تسميم الحسن بن علي رضي الله عنه أن يتجاوز ما كان بين يديه من حرمة ومودة، حتى صار قتل سبط رسول الله ﷺ ممكنًا في نفسه؟
وكيف استطاع رجال جيش يزيد أن يقتلوا الحسين بن علي، حفيد رسول الله ﷺ، وأن يبلغ بهم الأمر أن يمثلوا بجسده ويقطعوا رأسه، وهم مقتنعون أن ما يفعلونه هو الحق؟
وفي جميع هذه القصص، اندهش الناس.
والأمثلة كثيرة، وأساليب الإقناع أكثر:
تارة باسم الدين، وتارة باسم الجماعة، وتارة باسم الوطن، وتارة باسم الطاعة، وتارة باسم كرسي الحكم.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده ليس فقط: كيف اقتنعوا؟بل:ما منهج الإنسان حين يدخل الفتنة؟
فالناس ليسوا جميعًا سواء في القدرة على معرفة الحق وتمييز الباطل.
وقد جاء عن النبي ﷺ في الفتن التحذير من الخوض فيها، فقال:«ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به».
ولهذا قال الإمام علي رضي الله عنه في وصيته عند الفتن:«كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرٌ فيُركب، ولا ضرعٌ فيُحلب».
فالمنهج هنا واضح:
إن لم تكن قادرًا على التمييز، فلا تكن أداةً في يد أحد.
وإن لم تعرف الحق، فلا تسارع إلى الدم.
وإن اشتبه عليك الأمر، فالتثبت أولى من الاندفاع.
فالناس ثلاثة:
عالمٌ رباني، ومتعلّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع، أتباع كل ناعق.
والذي لم يستضئ بنور العلم، ولم يركن إلى ركن وثيق، لا يجوز له أن يجعل جهله وقودًا للفتنة.
قد يقول:«لكنني صدّقت ما قيل لي!»
قد يكون هذا تفسيرًا لكيف وقع في الخطأ، لكنه ليس بالضرورة براءةً من المسؤولية.
فإن كنت عالمًا، كان عليك أن تميّز.
وإن كنت متعلمًا، كان عليك أن تبحث وتسأل وتتثبت.
وإن كنت عاجزًا عن التمييز، كان عليك أن تكفّ يدك ولسانك، لا أن تخوض مع الخائضين.
فالمنهج ليس أن أعرف كل شيء، وإنما أن أعرف متى أتكلم، ومتى أتثبت، ومتى يجب أن أكفّ.
ثم تأتي القاعدة الثانية:الأكثرية لا تعفي من المسؤولية.
فقد يحشد الباطل حوله آلاف الأتباع، ولا يصبح بذلك حقًا.
وقد حذّر الله من اتباع الأكثرية فقال:﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.وقال أهل النار:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾.
لم تكن كثرتهم عذرًا.ولم يكن اتباعهم للناس عذرًا.ولم يكن قولهم: «كنا معهم» براءة.
ثم تأتي القاعدة الثالثة، وهي الأشد:
الإنسان لا يفقد بصيرته لأنه أقنع نفسه بأنه معذور.
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.
نعم، قد يخطئ الإنسان لأنه صدّق، وقد يُضلَّل، وقد يُخدع؛ لكن عليه أن يسأل، ويتثبت، ويتعلم، ثم يتحمل مسؤولية ما اختاره بعد ذلك.
فـ العذر قد يفسّر، لكنه لا يعني دائمًا البراءة.
والقاعدة الأخيرة:﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
كل نفس مسؤولة عن كسبها.لا تنجو بالكثرة.ولا بالجماعة.ولا بالشعار.ولا بكون الآخرين فعلوا الشيء نفسه.ولا بقولها: «كنت أظن أنني على الحق.»
فحين تختلط الرايات، ويعلو صوت الخائضين، يصبح أول واجب على الإنسان أن يستضيء بنور العلم؛
فإن لم يستطع، فليكن ابن اللبون: لا يُركب للفتنة، ولا يُستعمل فيها.لأن الله لم يجعل الكثرة ميزان الحق، ولا التبعية عذرًا، ولا المعاذير براءة.
وكل نفس عليها بصيرة، ولو ألقت معاذيرها.