لأنّ الناس، من كثرة ما امتلأ عقلها بنموذج السياسة الأميركية، صار هذا المنطق عندها هو القاعدة الطبيعية في العلاقات بين الدول:«لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، بل مصالح دائمة».
وهو منطق عبّر عنه هنري كيسنجر بوضوح حين قال:
«أميركا ليس لديها أصدقاء أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة».كما اشتهرت عنه عبارته: «أن تكون عدوًا لأميركا قد يكون خطيرًا، لكن أن تكون صديقًا لها قاتلًا».
وحتى من عاشوا التجربة مع أميركا، تركوا عبارات تختصر الكثير. فقد نُسب إلى رئيس وزراء باكستان ذو الفقار علي بوتو قوله، في وصف العلاقة مع أميركا، ما معناه: «التحالف مع أميركا كالفحم..”
وقال حسني مبارك، في العبارة التي اشتهرت عنه:
«المتغطّي بالأميركان عريان».
فإذا كان هذا هو النموذج الذي تربّى عليه العقل السياسي عند البعض، فلا عجب أن يقرأ كل علاقة سياسية بمنطق:
مَن باع مَن؟ومَن قبض ثمن مَن؟
لكن المشكلة أن إسقاط هذا النموذج على الجميع يجعل الإنسان عاجزًا عن فهم علاقات أخرى تقوم على العقيدة، والوفاء، والالتزام، والتضحيات، وتراكم المواقف عبر السنين.
ليس كل تحالف صفقة، وليس كل موقف ثمنه مال أو سلطة، وليس كل من بقي مع حليفه في أصعب الظروف «غبيًا» لأنه لم يبع.
فليس كل ما لا يدخل في حسابات الربح والخسارة يُسمّى سذاجة، وليس كل ثباتٍ على الموقف غفلةً عن المصالح.
الحقيقة ان الاختلاف ليس في السياسة، بل في المعايير لفهم الإنسان نفسه.
فمن الناس من لا يرى في العالم إلا صفقة، ومنهم من يؤمن أن للإنسان مبدأً، وللموقف ثمنًا، وللوفاء قيمةً قد تكون أغلى من كل المكاسب.
ولذلك، حين تعجز عن تفسير موقفٍ ما بمنطق السوق، لا تسارع إلى اتهامه بالخيانة أو البيع؛ فربما كان الخطأ في ميزانك أنت، لا في الموقف الذي عجزت عن فهمه.
لأنّ من اعتاد أن يرى كل شيء يُباع،
سيجد صعوبةً بالغة في تصديق أن هناك ما لا يُباع.