لا يعنيني أن تسقط قلعة أو جبل؛ فالأمكنة تُستعاد، والأيام تتداول، والمعارك تُربح وتُخسر.
ما يعنيني هو المقاومة.
فالمقاومة ليست مجرد قلعة نحرسها، ولا جبلًا نتمسّك به، ولا حدودًا نرسمها على خريطة؛
المقاومة هي القلعة والجبل والأرض حين تسكنها إرادة الإنسان.
وحين نقرأ القرآن، نجد أن الهزيمة في ظاهر المعركة لم تكن يومًا نهاية الطريق.
بعد أُحد، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من القتل والجراح، جاء الخطاب:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 139]
ثم جاء التذكير بأن الأيام لا تستقر لأحد:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾[آل عمران: 140]
ثم يأتي المعنى الأكثر إنسانية وواقعية:
﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[النساء: 104]
فالقرآن لا ينكر الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتظاهر بأنه لا يتألم.
نحن نتألم، وهم يتألمون.
نحن نخسر، وهم يخسرون.
نحن نضعف أحيانًا، لكن المطلوب ألا نهِن.
فالمسألة ليست مَن تألم أكثر، ولا مَن خسر موقعًا أو قلعة أو جبلًا؛ المسألة: مَن بقي قادرًا على النهوض؟
لذلك لا أقيس المستقبل بما سقط اليوم.
قد تسقط قلعة، وقد يُنتزع جبل، وقد تتبدل الخرائط، وقد يخسر الإنسان جولة كاملة؛ لكن ما دامت المقاومة حيّة، فالقضية لم تسقط.
لأن السقوط الحقيقي ليس أن تفقد مكانًا، بل أن تفقد إرادتك.
والمقاومة ليست فقط أن تحمل السلاح؛ إنها أن يبقى في الإنسان ما يرفض أن يُهزم في داخله، وأن يظل قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، وأن يرفض أن يتحول الألم إلى استسلام.
لهذا، حين أسأل عن الحاضر والمستقبل، لا أسأل أولًا:
ماذا سقط؟بل أسأل:ماذا بقي؟
فما بقي من المقاومة اليوم،هو الذي سيصنع ملامح الغد.

