يا محمد..
جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال:
«يا محمد، عِشْ ما شئتَ فإنك ميّت، وأحبب من شئتَ فإنك مفارقُه، واعمل ما شئتَ فإنك مجزيٌّ به».
ثلاثة أفعال تختصر الطريق:عِش، أحبب، اعمل.
عِشْ، لكن لا تظن أن العيش غاية.
فالدنيا مهما امتدت قصيرة، ومهما بدت ثابتة فهي عابرة:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
نحن نركض فوق قشرة رقيقة تحتها نار،وحركة، نبني وننافس ونتعلق، كأن الأرض ستبقى لنا، ثم يأتي الموت ليقول: لم تكن مقيمًا، كنت عابرًا.
فلا تجعل العيش غايتك.
وأحبب من شئت.
فالحب طاقة عظيمة، لكنه قد يصبح حجابًا حين يجعلنا نناصر من نحب ولو أخطأ، أو نرفض الحق لأننا لا نريد أن نخسره.
فحتى الحب يحتاج إلى ميزان.
قال تعالى:﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ… أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾.
فليس المطلوب أن لا نحب، بل أن لا يجعلنا الحب عميانًا عن الحق.
ثم تأتي الكلمة التي تنقل الإنسان من مجرد العيش والحب إلى معنى وجوده:«واعمل ما شئتَ فإنك مجزيٌّ به».
هنا تتضح الغاية.
الغاية أن تعمل.
أن تحوّل عمرك إلى عمل، وحبك إلى رحمة، وقدرتك إلى نفع، وعلمك إلى أثر، وسلطتك إلى عدل.﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
لذلك ليس السؤال: كم عشت؟ولا: كم أحببت؟بل:ماذا فعلت بما عشت؟وماذا فعلت بمن أحببت؟وماذا فعلت بما أُعطيت؟
ثم تأتي الآية التي تكاد تختصر كل هذا المعنى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾.
فالعمر يذهب، والأحباب يرحلون، والمال يفنى، والقوة تضعف، والمكانة تزول.كل شيء يزول، ويبقى ما صنعت.
فلا تجعل غايتك أن تعيش فقط، ولا أن تحب فقط، ولا أن تملك فقط.اجعل غايتك أن تجعل من كل ما أُعطيت عملًا صالحًا، وأثرًا يبقى.
عِشْ،أحبب، اعمل.
فقد ترحل أنت عن الدنيا،
لكن ما صنعت فيها، قد يبقى شاهدًا عليك أو لك.