تطرّق القرآن إلى الأكثرية والأقلية، لكن تناوله لهذه المسألة لا يشبه طريقتنا في تحليلها اليوم.
فنحن، في الفكر السياسي والقانون الوضعي، نتعامل مع الأكثرية بوصفها آليةً لاتخاذ القرار، وقد نمنحها، في بعض التصورات، سلطةً تقريريةً تكاد تقترب من جعلها مصدرًا للحقيقة السياسية.
أما القرآن، فلا ينظر إلى العدد باعتباره ميزانًا للحق.
وهنا تكمن قاعدة جوهرية في التصور القرآني:
الأكثرية ليست حجةً على الحق، كما أن الأقلية ليست دليلًا على الباطل.
فالحق لا يصبح حقًا لأن أكثر الناس قالوا به، ولا يتحول الباطل إلى حق لأن الجماعة احتشدت حوله.
والعدد قد يكون واقعًا اجتماعيًا له أثره في إدارة شؤون الناس، لكنه ليس معيارًا للحقيقة في ذاتها.
وربما هنا تحديدًا يجب أن نفرّق بين الدستور والقانون.
فالقانون ينظم إرادة الجماعة، ويضع قواعد لإدارة الاختلاف واتخاذ القرار، ولذلك يمكن أن تكون الأكثرية وسيلةً مشروعة لإنتاج القرار السياسي.
أما الدستور، في وظيفته الأعمق، فلا ينبغي أن يكون مجرد تعبير عن إرادة الأكثرية، بل ينبغي أن يكون قيدًا على هذه الإرادة، وحمايةً للحقوق والحريات، وضمانًا ألا تتحول سلطة العدد إلى سلطة مطلقة.
فإذا كانت الأكثرية تستطيع أن تفعل كل شيء لمجرد أنها أكثرية، فما الذي يبقى للأقلية من حماية؟ وما الذي يحول دون أن تتحول الديمقراطية من حكم الأكثرية إلى استبداد الأكثرية؟
وهنا يمكن أن نلمس تقاطعًا عميقًا بين الفكرة الدستورية وهذا المعنى القرآني، وإن اختلف المصدر والمجال: ليس كل ما تريده الجماعة يصبح حقًا لمجرد أنها أرادته.
فالقرآن يلفت النظر مرارًا إلى أن الكثرة ليست معيارًا للحقيقة:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: 116].
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: 36].
﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: 59].
﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70].
﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: 111].
لكن دقة القرآن تقتضي ألا نقلب المعادلة، فنستبدل سلطة الأكثرية بقداسة الأقلية.
فالقرآن لا يقول إن القلة على الحق لمجرد أنها قليلة، كما لا يقول إن الكثرة على الباطل لمجرد أنها كثيرة.
فالفضيلة ليست في العدد، وإنما في الصفة التي جعلت أصحاب العدد جديرين بالمدح.
وهنا ينتقل القرآن بالإنسان من سؤال «كم؟» إلى سؤال «ماذا؟»، ومن سؤال «من معنا؟» إلى سؤال «على أي شيء نحن؟».
وهذا هو الفارق بين منطق العدد ومنطق الحق.
في النظام السياسي، قد نحتاج إلى الأكثرية كي نعرف من يملك سلطة القرار؛ لكننا لا نستطيع أن نجعلها وحدها معيارًا لمعرفة ما هو حق.
فالأكثرية قد تمنح قرارًا شرعيةً إجرائية، لكنها لا تستطيع، بمجرد العدد، أن تمنحه شرعيةً أخلاقية مطلقة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننقل الأكثرية من مقام آلية اتخاذ القرار إلى مقام مصدر الحقيقة، فنقول:
ما داموا أكثر، إذن هم على صواب.
وهنا يضع القرآن أمامنا ميزانًا مختلفًا:
لا تقِس الحق بمن معه؛ بل قِس من معه الحق.
فقد يكون الحق مع واحد، وقد يكون مع جماعة، وقد يكون مع أكثرية.
العبرة ليست بالعدد في أيٍّ من هذه الحالات.
العبرة: أين الحق؟
وحين يصبح الحق هو المعيار، تصبح الأكثرية وسيلةً للحكم، لا مصدرًا للحقيقة؛ وتصبح الأقلية طرفًا في المجتمع، لا جماعةً محكومًا عليها بالخطأ.
وعندها فقط نفهم المسألة في ميزانها القرآني:
ليست القضية أن تنتصر الأكثرية على الأقلية، ولا أن تنتصر الأقلية على الأكثرية؛ القضية أن ينتصر الحق على الباطل، أيًّا كان عدد الواقفين مع كل منهما.
فالأكثرية قد تحكم، والأقلية قد تعارض، لكن لا هذه تملك الحقيقة بالعدد، ولا تلك تملكها بالقلة.
فالعدد يحدد أحيانًا من يملك القرار، لكنه لا يحدد ما هو الحق.
والقرآن لا يسأل أولًا: كم أنتم؟
بل يسأل: أين أنتم من الحق؟