ثلاث كلمات فقط، تختصر جانبًا عظيمًا من فلسفة الإسلام في معاملة الناس:﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
لا تبخسوا. الناس. أشياءهم.
«لا تبخسوا»
والبخس أعمق من مجرد السلب أو أخذ ما ليس لك.
البخس هو أن تنقص الشيء من قدره، وتقلّل من قيمته، وتجحف في تقديره، وتحطّ من شأنه، وتعطيه أقل مما يستحق.
قد يكون البخس في مال، وقد يكون في جهد، أو فضل، أو موقف، أو كرامة، أو مشاعر، أو حق معنوي.
أن ترى الخير ولا تعترف به لأنك لا تحب صاحبه: بخس.
أن تنسب جهد إنسان إلى غيره: بخس.
أن تختزل شخصًا في خطئه وتتجاهل سنوات عطائه: بخس.
أن تقلّل من شأن إنجاز لأنه صدر عن شخص لا تتفق معه: بخس.

ثم يقول: «الناس».
لم يقل: لا تبخسوا المؤمنين.
ولا: لا تبخسوا من تحبون.
قال: الناس.
والناس هم الناس جميعًا:
المسلم وغير المسلم، القريب والبعيد، من نحب ومن نختلف معه، الصديق والخصم، بل حتى من نعاديه.
فالعدل في الإسلام لا يكون انتقائيًا؛ لا يتغير باختلاف الأسماء والانتماءات والمواقف.
ثم تأتي الكلمة الثالثة: «أشياءهم».
ولم يقل: «حقوقهم» فقط.
لأن الإنسان لا يملك حقوقًا مادية وقانونية فحسب؛ له أشياء كثيرة تستحق ألا تُبخس: جهده، وفضله، وكرامته، ومشاعره، ووقته، وعطاؤه، وفكرته، ومكانته، وما أصاب فيه، وما قدّمه من خير.
فكم من إنسان لا يحتاج منك مالًا ولا منصبًا، وإنما يحتاج أن يشعر أن ما يفعله مرئي ومقدَّر.
– لا تبخس جهد زوجتك حين تدير تفاصيل بيتك وحياة أسرتك؛ فلا تجعل ما تفعله «واجبًا» يمحو قيمته.
– ولا تبخس جهد زوجك حين يسعى ويكدّ ويتحمّل مسؤولياته؛ فلا تختزل ما يفعله في أنه «مجرد واجب».
– لا تبخس ابنك محاولته لأنه لم يصل بعد إلى النتيجة التي تريدها؛ فقد يكون بذل أقصى ما يستطيع.
– ولا تبخس ابنتك لأنها أخطأت مرة؛ فلا تجعل خطأً واحدًا يلغي كل ما فيها من خير.
– لا تبخس موظفًا أتقن عمله لأنك اعتدت منه ذلك؛ فكلمة تقدير قد تكون عنده أثمن مما تتصور.
– لا تبخس معلّمًا أثره، ولا طبيبًا جهده، ولا عاملًا تعبه، ولا كبيرًا سنوات عطائه.
– ولا تبخس إنسانًا موقفًا شجاعًا لأنه لا ينتمي إلى جماعتك.
حتى حين نختلف، يمكننا أن نقول: أخطأتَ هنا، لكنك أصبتَ هناك.
وهذا هو الإنصاف.
تخيّلوا مجتمعًا يتربى أفراده على هذا الخلق.
بيتٌ لا يشعر فيه أحد أن جهده غير مرئي.
وأبناءٌ لا يكبرون وهم يشعرون أن آباءهم لا يرون إلا أخطاءهم.
وأزواجٌ لا يتحول اختلافهم إلى إلغاءٍ لكل ما قدّمه أحدهما للآخر.
ومدرسةٌ يُقدَّر فيها الطالب على محاولته، ويُقدَّر فيها المعلم على عطائه.
ومجتمعٌ لا يُسقط فيه الإنسان خصمه من الإنسانية لمجرد اختلافه معه.
عندها يقلّ الشعور بالظلم، ويقلّ الاحتقان، وتخفّ الحاجة إلى الدفاع المستمر عن الذات، ويكبر الاحترام، وتُبنى الثقة.
ومن هنا يبدأ السلام.
فالسلام ليس فقط أن تتوقف الحرب، ولا أن يغيب السلاح؛ السلام يبدأ حين يتوقف الإنسان عن انتقاص الإنسان.
حين أعترف لك بما لك، حتى وأنا مختلف معك فيما عليك.
وحين ترى لي ما لي، حتى وأنت لا توافقني.
ثلاث كلمات فقط:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
لو صارت هذه الآية خلقًا في بيوتنا، ومدارسنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا، ومجتمعاتنا، لربما اكتشفنا أن السلام الذي نبحث عنه في العالم، يبدأ أحيانًا من الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان الذي أمامنا.
السلام في الإسلام، يبدأ من ألا تبخس الناس أشياءهم.