مشاهد تتكرر، ودماء تُسفك، وأطفال يُقتلون، وقرى تُمحى، ومقابر تُجرف، وبيوت تُهدم، وعالمٌ يتفرج، وآخرون يبحثون عن التبرير… حتى يكاد الإنسان يسأل نفسه: إلى متى؟
لكن القرآن لا يتركنا أمام هذا المشهد بلا معنى، ولا يجعلنا أسرى للصدمة واليأس.
لقد أخبرنا رسول الله ﷺ عن زمنٍ تتداعى فيه الأمم على الأمة، فقال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها». فقيل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».وهنا تكمن خطورة السبب.
فالمشكلة ليست في قوة العدو وحدها، بل في حال الأمة حين تفقد مناعتها الداخلية؛ فتصبح كثرتها بلا أثر، وعددها بلا قوة، وغضبها بلا فعل، وإيمانها مجرد خطاب لا يتحول إلى مسؤولية.
ثم يأتي القرآن ليضع أمامنا مشهدًا آخر، أعمق من اللحظة الراهنة:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
ثم يقول سبحانه:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
وهنا تتغير زاوية النظر.
فالقرآن يخبرنا أن العلو ليس أبديًا، وأن التمكين لا يعني الخلود، وأن من ظن أن قوته تمنحه حصانة من سنن الله فقد أخطأ فهم التاريخ.
لكنني لا أريد أن يكون سؤالنا الوحيد: متى ينتهي هذا البلاء؟فالسؤال الأعمق هو: لماذا نزل بنا؟ وماذا يريد الله منا أن نفهم؟ وما الذي ينبغي أن نغيّره حتى يتغير ما بنا؟
فالرضا بقضاء الله لا يعني الرضا بالظلم، ولا الاستسلام للعدوان، ولا التخلي عن واجب الإصلاح والمقاومة؛ بل يعني أن نؤمن بحكمة الله في قضائه، وأن نفتش في البلاء عن أسبابه وسننه، ثم نأخذ بأسباب تغييره.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
فإذا كان رسول الله ﷺ قد سمّى الداء: الوهن، وحب الدنيا، وكراهية الموت، فإن علينا أن نبحث عن العلاج في أنفسنا، لا أن نكتفي بعدّ قوة خصومنا.
والنصر، في النهاية، ليس ملكًا للبشر:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
لذلك لا نعرف متى تنتهي هذه الحقبة، ولا يجوز أن نحول الآيات إلى مواعيد زمنية من عند أنفسنا.
لكننا نعرف أن للظلم نهاية، وأن للعلو حدًا، وأن وعد الله لا يخلف.
فلا نسأل فقط: متى ينتهي الليل؟
بل نسأل أيضًا: متى نخرج نحن من أسباب الوهن؟ ومتى نكون أهلاً للنصر؟
اللهم إنّا قد أثقلتنا مشاهد الدم، وأتعبتنا المجازر، وضاقت بها صدورنا.
اللهم لا تجعل طول البلاء سببًا في الوهن، ولا كثرة الظلم سببًا في اليأس، ولا تأخر الفرج سببًا في سوء الظن بك.
اللهم أذن لهذه الحقبة أن تنتهي، فقد طال ليلها وثقل على القلوب.
اللهم ارفع عن المظلومين ظلمهم، واحفظ أهل لبنان وغزة والضفة، وارحم شهداءهم، واشفِ جرحاهم، واحفظ من بقي منهم.
اللهم اجعل لنا من هذا البلاء بصيرةً لا يأسًا، وثباتًا لا غثاء، وإيمانًا لا شعارات.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
اللهم اجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الظلم عدلًا، وبعد الدماء أمانًا، وبعد هذا الليل فجرًا.
فإن طال البلاء، فلا يطول وعد الله.