المشكلة في الطائفية ليست في أن يكون للإنسان انتماء ديني أو مذهبي، فهذا حق طبيعي من حقوقه وحريته، وهو موجود في مختلف دول العالم. بل إن المجتمعات الحديثة تعرف اختلافات دينية وعرقية وثقافية واسعة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تقسيم الدولة إلى جماعات سياسية متنافسة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من انتماء ديني واجتماعي إلى وسيط سياسي بين المواطن والدولة.
في الدولة التي تقوم على المواطنية، تكون العلاقة واضحة ومباشرة:المواطن ثم الدولة.
أنت مواطن، ولذلك تحميك الدولة، ويكفل لك القانون حقوقك، وتطبق عليك القواعد نفسها التي تطبق على غيرك، وتكون المؤسسات العامة مؤسساتك، بصرف النظر عن دينك أو مذهبك أو عائلتك أو منطقتك.
أما في النظام الطائفي، فتدخل جماعة ثالثة بين المواطن والدولة:المواطن ثم الطائفة ثم الدولة.
وهنا يبدأ الخلل.
فماذا يعني أن تصبح الطائفة وسيطًا؟
يعني أن المواطن لا يعود يتعامل مع الدولة بوصفه فردًا له حقوق قائمة بذاتها، بل بوصفه فردًا ينتمي إلى جماعة لها وزنها وحصتها وتمثيلها. فيصبح انتماؤه الطائفي جزءًا من طريق وصوله إلى الدولة.
في الوظيفة العامة، لا يعود السؤال فقط: من هو الأكفأ؟ بل قد يصبح: إلى أي طائفة ينتمي؟
وفي التمثيل السياسي، لا يعود السؤال فقط: من يستطيع أن يمثل المواطنين أفضل؟ بل: من يمثل هذه الطائفة؟
وفي توزيع المواقع العامة، لا يعود المعيار دائمًا هو الكفاءة والحاجة والمصلحة العامة، بل تدخل قاعدة: هل أخذت هذه الجماعة حصتها؟
وحتى عندما يطالب المواطن بحقه، قد يشعر أن الطريق الأسهل ليس أن يذهب إلى الدولة والقانون، بل أن يلجأ إلى زعيم طائفته أو مرجعها أو ممثليها السياسيين لكي يتدخلوا له.
وهنا تقع النقلة الأخطر:
من دولة تحمي حق المواطن، إلى جماعة تتوسط له للحصول على حقه.
بدل أن يقول المواطن: «هذا حقي لأن القانون يمنحني إياه»، يصبح مضطرًا أحيانًا إلى القول: «من يقف خلفي كي أحصل على حقي؟»وهذه ليست مجرد مسألة سياسية؛ إنها تغيّر علاقة الإنسان بالدولة نفسها.
فحين يصبح المواطن محتاجًا إلى جماعته كي تحميه أو تمثله أو تفاوض باسمه، تضعف علاقته المباشرة بالدولة، وتزداد علاقته بالوسيط الذي يملك القدرة على الوصول إليها.
وهكذا تصبح الطائفة، بدل أن تكون مجرد جزء من هوية الإنسان، مصدرًا من مصادر الحماية والنفوذ السياسي.
وهذه هي المفارقة الكبرى: الدولة التي يفترض أن تجمع المواطنين، تصبح هي نفسها ساحةً تتقاسمها الجماعات.
عندها لا يعود السؤال:«ما حقي كمواطن؟»بل يصبح:
«ما حق طائفتي؟ وما حصتها؟ ومن يمثلها؟ ومن يحميها؟»
وبدل أن يكون القانون هو الضامن للجميع، تصبح موازين القوى بين الطوائف جزءًا من آلية حماية الحقوق.
وهنا تتحول الطائفية من مجرد تقسيم سياسي إلى طريقة في التفكير.
يتعلم المواطن أن وجوده داخل الدولة ليس مكتملًا بذاته، وأن عليه أن يستند إلى جماعة أقوى منه كي يحمي موقعه. وتتعلم الجماعات بدورها أن عليها أن تتمسك بحصتها ونفوذها خوفًا من الجماعات الاخرى.
وهنا أخطر ما في الطائفية: أنها لا تكتفي بأن تجعل الناس مختلفين، بل تجعلهم مواطنين بدرجات مختلفة من القوة السياسية بحسب الجماعة التي ينتمون إليها.
أما المواطنية، فتسعى إلى تحرير المواطن من الحاجة إلى هذا الوسيط.
لا تحتاج إلى طائفة تحمي حقك لأن القانون يحميه.
ولا تحتاج إلى زعيم يتدخل لك لأن المؤسسات هي التي تنصفك.
ولا تحتاج إلى حصة لجماعتك كي تشعر أنك موجود، لأن مواطنيتك وحدها تمنحك الحق في المشاركة.
وهذا لا يعني إلغاء الطوائف، ولا محو الدين، ولا مصادرة الخصوصيات. بل يعني وضع كل شيء في مكانه الطبيعي: أن يكون الانتماء الديني والثقافي حقًا للإنسان، لا أداةً لتحديد قيمته السياسية أو مقدار حقوقه.
نحن لا نحتاج إلى أن يصبح اللبناني أقل انتماءً إلى طائفته؛ نحتاج إلى أن يصبح أكثر انتماءً إلى الدولة.
فالطائفة يمكن أن تكون جزءًا من هويتك، لكنها لا يجوز أن تكون الوسيط الذي تمرّ عبره مواطنيتك.
لأن المواطن الحقيقي لا يدخل إلى الدولة من بوابة طائفته.هو يدخل إليها بصفته مواطنًا.
لكن المشكلة أن اللبناني لم يكتفِ بالعيش داخل هذا النظام؛ لقد اعتاد عليه.
اعتاد أن يكون لكل طائفة حصتها، ولكل جماعة ممثلوها، ولكل موقع توازناته، حتى أصبح هذا كله يبدو جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، وكأن الدولة لا يمكن أن تعمل إلا بهذه الطريقة.
اعتدنا أن نسأل عن طائفة الشخص قبل أن نسأل عن كفاءته، وأن نفتش عن الانتماء قبل الموقف، وأن نرى في وصول شخص من طائفة أخرى إلى موقع ما مكسبًا أو خسارة لطائفتنا، بدل أن نسأل: هل هو الشخص الأفضل لهذا الموقع؟
وهنا أتذكر المثل الذي يُضرب عن الضفدع الذي يتأقلم تدريجيًا مع ارتفاع حرارة الماء، حتى لا يشعر بالخطر إلا بعد أن يصبح الخروج منه شديد الصعوبة.كنت أتعجب من هذا الضفدع.ثم اكتشفت أننا ربما أصبحنا أسوأ منه.
فالضفدع يتأقلم لأنه لا يدرك ما يحدث له، أما نحن فقد عرفنا الخلل، وعرفنا آثاره، وشهدنا كيف أضعف الدولة والمواطنة، ومع ذلك تكيفنا معه حتى أصبحنا ندافع عنه أحيانًا باعتباره ضرورة، ونخاف من الخروج منه أكثر مما نخاف من الاستمرار فيه.
لقد انتقلنا من مرحلة التعايش مع الطائفية إلى مرحلة تطبيع الطائفية؛ حتى أصبح السؤال عن إمكان قيام دولة المواطنة يبدو أحيانًا أكثر غرابة من السؤال عن استمرار النظام الطائفي.
وهذه ربما هي أخطر مراحل أي نظام مختل: حين لا يعود الناس يرونه خللًا، بل يرون البديل عنه هو الخطر.
نحن اليوم لا نحتاج إلى إلغاء الطوائف، بل إلى إخراجها من موقع الوسيط السياسي بين الإنسان والدولة.وربما آن لنا أن نخرج من الماء قبل أن نقنع أنفسنا بأن الحرارة طبيعية.
من دولة تتوازن فيها الطوائف، إلى دولة يتساوى فيها المواطنون.
ومن جماعات تتقاسم السلطة، إلى مواطنين يتشاركون الوطن.
ومن طائفة تحمي الفرد من الدولة، إلى دولة تحمي الفرد من أي طائفة.
عندها فقط تصبح المواطنة حقيقة، ويصبح لبنان وطنًا لمواطنيه، لا ساحةً لتوازن مكوّناته.