﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.ربما بدأ الحسد في السماء مع إبليس.
لكن الحسد ليس مجرد شعور بالغيرة من الآخر فحسب إنه مركّب نفسي خطير، تتداخل فيه المقارنة والشعور بالنقص والاستعلاء والرغبة في امتلاك ما عند الآخر، ثم قد يتطور إلى كراهية أن ينعم الآخر بما لم يُعطَ الحاسد.
إنه يبدأ من سؤال يبدو بسيطًا:لماذا هو؟ثم تتدرج النفس:
مقارنة ثم شعور بالنقص ثم ضيق من نعمة الآخر ثم حسد ثم حقد ثم عدوان.
وهذا ما يجعل الحسد أخطر من مجرد الغيرة.
فالغيرة قد تدفع الإنسان إلى أن يسعى ليبلغ ما بلغه غيره، أما الحسد فيدفعه أحيانًا إلى أن يتمنى ألا يبقى ما عند الآخر.
رأى إبليس آدم، فقارن نفسه به:﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.لم يحتمل أن يُكرَّم آدم، ولم يقبل أن تكون له منزلة لم تكن له. فتحولت المقارنة إلى استعلاء، والاستعلاء إلى حسد، والحسد إلى رفض لأمر الله، ثم إلى عداوة، فكان المآل: الطرد والحرمان.
وفي قصة ابني آدم، بدأت المقارنة بالنعمة:﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. فتحولت المقارنة إلى غيرة، والغيرة إلى حقد:﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾.ثم انتهى الحقد إلى أول جريمة قتل عرفتها البشرية.
وفي قصة يوسف، بدأت المقارنة بين الإخوة ومكانتهم عند أبيهم:﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾.فتحولت المقارنة إلى غيرة، والغيرة إلى حسد، والحسد إلى حقد وتآمر:﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾.
وفي قصة قريش، لم يكن السؤال فقط: هل نؤمن بهذا القرآن؟بل كان هناك سؤال يختبئ خلف الاعتراض:﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
لماذا محمد؟
تحولت المقارنة إلى اعتراض، والاعتراض إلى رفض، والرفض إلى محاربة الرسول ﷺ ودعوته.
أما أهل الكتاب، فقد سمّى القرآن الداء باسمه:﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.
ولا يزال حسد اليهود حتى اليوم فاعلا بأرضنا ومجتمعاتنا.
فالقرآن لا يكتفي بوصف السلوك، بل يكشف ما وراءه: الحسد.
لكن الإسلام لم يكتفِ بأن يحذّر الإنسان من الحاسد. بل حاول أن يساعده على نفسه، لأن أخطر معارك الإنسان قد تكون مع ما يتحرك في داخله.
فإذا كانت المقارنة بالآخرين أمرًا لا مفر منه، علّمنا كيف نقارن دون أن نهلك.
– قال رسول الله ﷺ:«انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».
لا تجعل عينيك معلقتين دائمًا بمن يملك أكثر منك؛ لأن المقارنة المستمرة قد تحول النعمة التي بين يديك إلى شعور بالنقص.
– وفي قصة صاحب الجنتين، يعلّمنا القرآن طريقة أخرى لمواجهة المقارنة.حين رأى الرجل ما عند صاحبه من مال وجنتين، جاء التذكير:﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.أعد النعمة إلى صاحبها.
حين ترى جمالًا، وعلمًا، ومالًا، ونجاحًا، ومحبةً، ومكانةً عند غيرك، لا تتوقف عند الإنسان؛ انظر إلى الذي أعطاه.
قل: ما شاء الله، لا قوة الا بالله.
ثم سل الله من فضله:﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وهنا يتحول مسار النفس:
المقارنة تتحول إلى غبطة،
والغبطة تتحول إلى دعاء،
والدعاء يتحول إلى رضا،
والرضا يتحول إلى سلام.
ولهذا جاءت الاستعاذة:﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
وكأن القرآن يقول لنا: لا يكفي أن نحذر حسد الآخرين. علينا أيضًا أن نراقب الحاسد الذي يمكن أن يولد داخلنا.
فليس المطلوب ألا ترى فضل الله على غيرك،فهذا مستحيل.المطلوب أن ترى النعمة، ولا تجعلها خصمًا من نعمتك.أن ترى من سبقك، فلا تكرهه.
أن ترى من فاقك، فلا تتمنى سقوطه.
أن ترى من أُعطي ما لم تُعطَ، فتقول:اللهم بارك له فيما أعطيته، وارزقني من فضلك.
فأجمل ما يفعله الإيمان بالنفس أنه لا يمنعها من المقارنة، بل يعلّمها كيف تخرج من المقارنة دون أن تخسر قلبها.
لأن الحسد يبدأ أحيانًا بكلمة صغيرة:لماذا هو؟
أما السلام الداخلي فيبدأ بكلمة أعظم:هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

