سورة الكهف، أربع فتن وطرق النجاة
كل جمعة، نقرأ سورة الكهف، امتثالًا لما ورد عن رسول الله ﷺ في فضل قراءتها، ونستحضر ما جاء في الحديث من أن من حفظ عشر آيات من أولها عُصم من فتنة الدجال.
ونمرّ على قصصها التي حفظنا أسماءها منذ الصغر:
أهل الكهف، وصاحب الجنتين، وموسى والخضر، وذو القرنين.
لكن ماذا لو قرأنا هذه القصص لا باعتبارها أحداثًا من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها مرايا للإنسان في كل زمان، ولنا نحن بشكل خاص؟
سورة الكهف لا تحكي لنا أربع قصص متفرقة؛ بل تضع الإنسان أمام أربع فتن كبرى يمكن أن يُبتلى بها في حياته:
فتنة الدين.
فتنة المال.
فتنة العلم.
وفتنة السلطة والقوة.
– في قصة أهل الكهف، نرى الإنسان حين يصبح الإيمان نفسه امتحانًا، وحين يضطر إلى أن يختار بين سلامة حياته وسلامة عقيدته.
-وفي قصة صاحب الجنتين، نرى فتنة المال، حين تتحول النعمة إلى سبب للغرور، فينسى الإنسان أن ما في يده ليس ملكًا مطلقًا له، وأن المال نعمةٌ واختبار.
– وفي قصة موسى والخضر، نرى فتنة العلم؛ حين يكتشف الإنسان أن ما يعلمه، مهما اتسع، ليس إلا جزءًا من علم الله، وأن عدم إدراكنا لحكمة الشيء لا يعني غياب الحكمة عنه.
ثم نصل إلى ذي القرنين، حيث تظهر فتنة القوة والسلطة.
فليس الامتحان أن تكون قويًا، وإنما:
ماذا تفعل حين تصبح قويًا؟
هل تستخدم ما أوتيت لتستعلي على الناس، أم لتحمي الضعيف، وتدفع الظلم، وتبني وتُصلح؟
واللافت أن السورة لا تكتفي بعرض الفتن، بل تضع لنا في كل قصة طريقًا للنجاة.
في فتنة الدين: الثبات واللجوء إلى الله.
وفي فتنة المال: تذكر المنعم وعدم الاغترار بالدنيا.
وفي فتنة العلم: التواضع والاعتراف بحدود المعرفة البشرية.
وفي فتنة السلطة: العدل وتحويل القوة إلى مسؤولية.
ولعل أجمل ما في سورة الكهف أنها لا تقول لنا إن الفتنة بعيدة عنا.بل تقول، بطريقة مختلفة:قد تكون الفتنة في الشيء الذي تخاف أن تفقده،وقد تكون في الشيء الذي تملك منه الكثير.قد تُفتن بما لا تستطيع،وقد تُفتن بما تستطيع.
وقد يكون الامتحان في إيمانك، أو في مالك، أو في علمك، أو في قدرتك على التأثير في الآخرين.
ولهذا، سنقف في الأسابيع القادمة، كل جمعة، عند قصة من قصص سورة الكهف، لا لنستعيد أحداثها فحسب، بل لنسأل:
أي فتنة تكشفها لنا هذه القصة؟
وكيف ينجو الإنسان منها؟
وماذا تقول لنا نحن اليوم؟
سنبدأ الأسبوع القادم بأهل الكهف؛ حيث تكون أولى الفتن: فتنة الدين التي يعيشها المؤمن اليوم، حيث يبدو ان القابض على الدين كالقابض على الجمر.
ولعلنا حين نقرأ سورة الكهف مرة أخرى، لا نقرأها فقط بحثًا عن قصة نعرفها، بل نقرأها ونحن نسأل أنفسنا:
أيّ هذه الفتن يسكن حياتي؟
وأيّ طريق من طرق النجاة أحتاج أن أتعلمه؟

