بما أننا نستشهد كثيرًا بالقرآن في حديثنا وكتاباتنا، ونعود إليه في فهم كثير من القضايا التي تمس الإنسان والحياة والمجتمع، رأيت أن نتوقف قليلًا عند هذا الكتاب نفسه، لا من باب التفسير، وإنما من باب التعريف.
فماذا نعرف عن القرآن؟ كيف نزل؟ ومتى نزل؟ ولماذا نزل مفرّقًا على مدى سنوات؟ وكيف انتقل من الوحي الذي كان يتنزل على رسول الله ﷺ إلى المصحف الذي بين أيدينا اليوم؟ وكيف توزعت فيه العقائد والتشريعات والقصص والقيم؟
قد تبدو هذه الأسئلة بديهية للمسلم، لكنها ليست كذلك بالضرورة لغير المسلم، وحتى المسلم قد يعرف القرآن ويحفظ آيات منه ويستشهد بها، دون أن يتوقف كثيرًا عند السياق الذي نزل فيه هذا الكتاب، وطبيعة بنائه، وطريقة انتقاله إلينا.
لذلك، وقبل أن نستمر في الاستشهاد بالقرآن، من المفيد أن نتعرف قليلًا إلى الكتاب الذي نستشهد به.
القرآن كلام الله تعالى، أنزله على رسوله محمد ﷺ، وابتدأ نزوله في شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، ثم استمر نزوله مفرّقًا على مدى نحو ثلاثة وعشرين عامًا، في مكة قبل الهجرة، ثم في المدينة بعد الهجرة. ولذلك نميّز في القرآن بين السور والآيات المكية والمدنية.
ولم يكن هذا النزول المتدرّج أمرًا عارضًا، بل كان جزءًا من منهج بناء الإنسان. ففي المرحلة المكية غلب التركيز على العقيدة: التوحيد، والإيمان بالله، واليوم الآخر، والنبوة، وإعادة بناء تصور الإنسان عن نفسه وعن العالم وعن الغاية من وجوده. ثم جاءت الأحكام والتشريعات بصورة أوسع في المدينة، لتنقل الإيمان من مجرد اعتقاد إلى منظومة سلوك تنظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخرين، وبالمجتمع.
فالعقيدة تؤسس الرؤية، والشريعة تنظم الحركة على أساس تلك الرؤية. العقيدة تجيب الإنسان عن أسئلة: من أنا؟ ومن خالقي؟ ولماذا أعيش؟ وإلى أين المصير؟ أما الشريعة فتجيب عن سؤال آخر: كيف أعيش وفق ما آمنت به؟
ولذلك نجد القرآن حاضرًا في تفاصيل حياة المسلمين الأولى؛ ينزل توجيهًا عند وقوع حدث، وجوابًا عن سؤال، وتصحيحًا لموقف، وتثبيتًا عند الشدة، وتصبيرًا عند الألم، وتحذيرًا من فتنة، أو بيانًا لحكم، أو تربيةً للنفوس على معنى من معاني الإيمان.
فالآية لم تكن مجرد معلومة تُضاف إلى كتاب، وإنما كانت جزءًا من عملية بناء إنسان ومجتمع.
ولم يُكتب القرآن في مصحف واحد منذ البداية، وإن كان النبي ﷺ قد اتخذ كتبةً للوحي كانوا يكتبون ما ينزل من القرآن، وكان الصحابة يحفظونه في صدورهم. ثم جُمع القرآن في مصحف واحد بعد وفاة النبي ﷺ في عهد أبي بكر الصديق ، ثم نُسخت المصاحف ووُحّدت على الرسم العثماني في عهد عثمان بن عفان.
وقد تعهد الله تعالى بحفظ كتابه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
والقرآن، في العدّ الكوفي المشهور، يضم 6236 آية، في 114 سورة، والاختلاف في عدد الآيات بين علماء العدّ إنما يعود إلى اختلافهم في مواضع الفصل بين الآيات، وليس إلى اختلاف في نص القرآن.
ومن هنا، حين نقرأ القرآن، لا ينبغي أن نقرأه باعتباره كتاب أحكام فقط، ولا كتاب عقائد فقط، ولا كتاب قصص فقط؛ وإنما باعتباره كتابًا يصنع الإنسان، ويعلّمه كيف يرى نفسه، وكيف يفهم الحياة، وكيف يتعامل مع المال والعلم والسلطة والإيمان، وكيف يواجه الفتن حين تأتيه.