بعد أن تحدثنا بالأمس عن رحمة الإسلام بالإنسان الفرد، ننتقل اليوم إلى الوجه الآخر من المنظومة: كيف عالج الإسلام العدوان حين يتحول إلى فعل سياسي وجماعي؟
وهنا لا بد أولًا من التمييز بين حالتين مختلفتين تمامًا:
الأولى: أن تقتتل فئتان داخل المجتمع.
لم يبدأ القرآن بالدعوة إلى القتال، بل بدأ بالإصلاح:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
ثم يقول:﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.
لاحظوا المنهج:إصلاح أولًا، ثم ردع البغي إذا أصرّ، ثم العودة إلى الإصلاح والعدل.
فالقتال هنا ليس غاية، بل وسيلة لوقف البغي وإعادة الجماعة إلى السلام.
أما الحالة الثانية، فهي العدوان الخارجي.
وهنا أيضًا لم يطلق الإسلام العنف بلا حدود، بل وضع له إطارًا واضحًا:﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾.وقال تعالى ايضا ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
فالقتال مرتبط بمن يقاتل، ومقيّد بالنهي عن الاعتداء.
أي أن العدوان لا يمنحك حقًا مفتوحًا في الانتقام؛ بل يمنحك حق دفع العدوان في حدوده.
بل حتى الحرب لها قواعد.
نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان، وقال في وصيته للجيش: «ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا».
وكانت وصايا الخلفاء للجيوش تسير في الاتجاه نفسه: عدم قتل النساء والأطفال، وعدم الغدر، وعدم المثلة، وعدم استهداف من لا يشارك في القتال.
وهذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها تعني أن العدو نفسه لا يفقد إنسانيته لمجرد أنه أصبح عدوًا.
بل حتى العهد لم يسقط في الحرب:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وهذا يعني أن الإنسان، في التصور الإسلامي، لا يفقد أخلاقه بمجرد أن يدخل الحرب.
ثم امتدت هذه المنظومة إلى الأسرى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
وقال تعالى:﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
فالأسير، رغم كونه من صف العدو، لم تسقط إنسانيته.
ثم يأتي المبدأ الذي يثبت أن الحرب في الإسلام ليست غاية في ذاتها:﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.
وهذا ما جسّده النبي ﷺ في صلح الحديبية؛ إذ اختار المعاهدة والهدنة حين رأى أن السلام يحقق مصلحة مشروعة، ولم يعتبر التفاوض ضعفًا أو تنازلًا عن الحق.
وهكذا نجد أن الإسلام لم يعالج العنف بمنطق واحد:
في الداخل: أصلحوا، فإن بغت فئة فاردعوا بغيها، ثم أصلحوا بالعدل.
وفي مواجهة العدوان: ادفعوا العدوان، ولكن لا تعتدوا.
وفي الحرب: حتى القوة لها أخلاق وحدود.
وفي الأسر: لا تسقط إنسانية الأسير.
وفي السياسة: إذا أمكن السلام العادل، فاجنحوا إليه.
وهنا تظهر عظمة المنهج الإسلامي:
لم يطلب من الإنسان أن يكون ضعيفًا أمام العدوان، ولم يسمح له في الوقت نفسه أن يجعل العدوان ذريعةً ليتحول هو إلى معتدٍ.
فالقوة في الإسلام ليست نقيض الرحمة.
القوة تحمي الرحمة، والرحمة تضبط القوة، والعدل يحكم الاثنين.