إلى أهلنا في الجنوب وغزة، إلى الذين طال عليهم الليل، وفقدوا أحبةً وبيوتًا وأمانًا، وإلى الذين صاروا ينظرون إلى الركام كل صباح ويتساءلون: إلى متى؟
إن الله يخاطبكم اليوم بسورة الضحى:﴿وَالضُّحَىٰ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾.
ليذكّركم الله بأن الظلام ليس أول الحقيقة ولا آخرها. صحيح أن التعاقب سنة من سنن الله في الحياة،
لكن تأملوا كيف بدأ الله هذا التعاقب بالضحى، ثم ذكر الليل.نعم، قد يطول الليل، لكنه ليس نهاية الطريق؛ فالضحى حاضر في بداية المشهد، ووعد النور قائم في دورة الحياة.
وكيف لا، والله يقول، في خطاب التثبيت﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
وإن كان الخطاب في سياقه للنبي ﷺ، فإن معناه في التثبيت والطمأنينة يفتح لنا اليوم بابًا واسعًا للتأمل: قد يكون الواقع قاسيًا، وقد يكون الذين خذلوا كثرًا، والذين يتآمرون أكثر، ولكن الأهم أن الله لا يتخلى عن عباده.
ومن كان الله معه، فمن عليه؟
الله هو الأساس.
الله هو الذي أنزل السكينة على المؤمنين:﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
والله الذي قال في الصابرين:﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
فإذا كان الله هو الأساس، فلا ينبغي أن يكون خذلان البشر، مهما كثر وتنوّع، هو الذي يكتب لنا معنى المستقبل.
والدليل في السورة نفسها.حين تقول:﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾،
فهي تعلّمنا أن نتذكر ما عبرناه، لا أن نسجن أنفسنا في اللحظة التي نعيشها.هي دعوة إلى أن نستفيد من الماضي لنفهم المستقبل، لا أن نجعل حاضرنا سجنًا للمستقبل.
وأهل الجنوب يعرفون هذا الطريق.
تذكروا عام 1982، حين دخل الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان، وما ولّدته تلك المرحلة من مقاومة، ثم تذكروا تحرير عام 2000.
وتذكروا عام 2006، حين جاء عدوان جديد، فتهدمت البيوت، ونزح الناس، وسقط الأحبة، وعاد كثيرون إلى قراهم ليجدوا أمامهم الركام.لكن الركام لم يكن النهاية.
بدأت إعادة الإعمار، وعادت البيوت إلى الارتفاع حجرًا فوق حجر، وعادت الحياة إلى القرى، وعاد الناس إلى أرضهم.
هنا يصبح تذكّر الماضي أكثر من مجرد استعادة للذاكرة؛ يصبح تذكيرًا بأن المرحلة الصعبة لا تملك وحدها حق كتابة المستقبل.
والسورة تفتح لنا باب التفاؤل بالمستقبل:
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾.هذا وعد من الله، وليس كلامنا نحن.
ووعد الله لا يحتاج منا إلى تحديد موعده، وإنما يحتاج منا إلى ألا نفقد الثقة به.
ولكن فلنتنبه جميعًا: السورة لا تتركنا عند طمأنينة القلب، بل تنقلنا منها إلى واجب جماعي لنخرج من الليل:
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
نعم، بعد طمأنينة القلب توجد مسؤولية علينا جميعًا.
من يملك الكلمة فليجعلها نورًا، ومن يملك المال فليجعل منه سندًا، ومن يملك العلم فليعلّم، ومن يملك القدرة على البناء فليبنِ، ومن يملك قلبًا قادرًا على مواساة مكلوم فليكن إلى جانبه.
فليس مطلوبًا من الجميع أن يفعلوا الشيء نفسه، لكن المطلوب من الجميع ألا يقفوا متفرجين أمام ليلٍ يحاول أن يطفئ الإنسان.
فلا تسمحوا للحرب أن تنتصر مرتين: مرة حين تهدم الحجر، ومرة حين تهدم في الإنسان إيمانه بالغد.
لقد رأينا بعد 2006 أن الركام يمكن أن يصبح بداية لإعادة البناء.
واليوم، مهما كان الركام ثقيلًا، فلنترك لأنفسنا حق الإيمان بأن وراءه حياةً يمكن أن تُبنى من جديد.فالليل مهما طال ليس نهاية الحكاية.﴿وَالضُّحَىٰ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾.
والأهم أن القرآن قدّم لنا الضحى أولًا.
فلنحفظ في داخلنا الضحى، ونحن نعبر هذا الليل.