إذا كانت المقالات السابقة قد بدأت من تزكية النفس، ثم انتقلت إلى بناء العقل، ثم إلى بناء الإرادة، وبعدها بحثت في أسباب تفرّق الناس رغم وحدة الرسالة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف ننتقل من فهم أسباب التفرّق إلى استعادة الاجتماع؟ وكيف نبني جماعة تستطيع أن تختلف دون أن تتفرق؟
كما قلنا سابقا، القرآن لا يطلب من الناس أن يكونوا نسخة واحدة، بل يضع قاعدة تتجاوز الانقسام القائم على اللون والنسب والقبيلة والعرق:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالتنوع ليس سببًا للصراع، بل طريقًا إلى التعارف. والمشكلة ليست في أن نكون مختلفين، وإنما في أن نحول اختلافنا إلى معيار للتفاضل والعداء.
ولهذا لا يلغي القرآن الاختلاف، لكنه يضع فوق اختلافاتنا رابطًا أعلى يجمعنا:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فالاجتماع في المنظور القرآني لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما يعني ألا يتحول الاختلاف إلى قطيعة، ولا التنوع إلى عداوة، ولا الاجتهاد إلى تحزّب.ولهذا لم يقل الله: لا تختلفوا، وإنما قال:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.وهنا يلفت القرآن إلى نتيجة التنازع: الفشل وذهاب القوة. فحين يتحول الاختلاف إلى تنازع، لا يخسر الأفراد وحدهم، بل تخسر الجماعة قدرتها على الفعل.
ولهذا كان أول طريق الاجتماع هو الاعتصام بالمرجعية المشتركة﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
فالخلاف لا يُحسم بأن ينتصر الأقوى صوتًا، ولا بأن تنتصر الجماعة الأكثر عددًا، وإنما بالعودة إلى مرجعية يتجاوز إليها الجميع.
ثم يأتي القرآن بمبدأ لا يمكن أن تقوم وحدة حقيقية من دونه: الأخوّة:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.لاحظوا التعبير القرآني: لم يقل إن المؤمنين متشابهون، بل قال: إخوة. والأخوّة لا تعني أن نتفق في كل شيء، وإنما أن يبقى الرابط الإنساني والأخلاقي أقوى من الخلاف.
ثم يبدأ القرآن بإصلاح اللغة التي نتعامل بها مع بعضنا؛ لأن التفرّق الكبير قد يبدأ بكلمة صغيرة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
ثم ينتقل إلى ما هو أعمق من الكلمة: سوء الظن:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
ثم إلى الغيبة، التي تهدم الثقة بين الناس:﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾.
وكأن القرآن يرسم لنا الطريق من أوله: لا تسخر، لا تلمز، لا تنابز، لا تسيء الظن، لا تغتب؛ لأن المجتمع لا يتفكك فجأة، وإنما تتآكل روابطه كلمة بعد كلمة، وظنًا بعد ظن، حتى يصبح الخلاف عداوة.
ثم يأتي مبدأ العدل، لأن الاجتماع من دون عدل يتحول إلى تجمع على حساب طرف آخر:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
وهنا يبلغ القرآن درجة عالية من التربية: حتى خصومتك لا تعفيك من العدل. فإذا كان العدل مطلوبًا مع من نختلف معه، فكيف بمن يشترك معنا في الدين والوطن والمصير؟
ثم يأتي التصوير النبوي للاجتماع في أجمل صورة. قال النبي ﷺ:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبّك بين أصابعه.
فالبنيان لا يقوم بحجر واحد، ولا يحتاج إلى أن تتشابه حجارته، وإنما إلى أن تتماسك أجزاؤه ويسند بعضها بعضًا. وهنا يصبح الاختلاف نفسه قابلًا لأن يتحول إلى قوة؛ فكما أن اختلاف الحجارة في البنيان لا يمنع تماسكه، فإن اختلاف الناس في قدراتهم وأدوارهم لا ينبغي أن يمنع اجتماعهم حول غاية مشتركة.
ثم يذهب النبي ﷺ أبعد من ذلك، فيجعل وحدة الجماعة أشبه بوحدة الجسد:«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
وهنا تصبح الوحدة أكثر من مجرد شعار؛ إنها مسؤولية متبادلة ومشتركة: أن أشعر بألم غيري، وأن أحفظ كرامته، وأن أختلف معه دون أن أسقط إنسانيته.
ومن هنا نفهم أن استعادة وحدة الجماعة لا تبدأ بشعار سياسي، ولا بمجرد الدعوة إلى الوحدة، وإنما تبدأ بإعادة بناء ثقافة الاجتماع داخل الإنسان نفسه: أن يتعلم الإنصاف، وحسن الظن، وقبول الاختلاف، والحوار، وأن يتحرر من التعصب لجماعته ورأيه وموقعه.
فالحضارة لا يصنعها أفراد صالحون متفرقون، بل إنسان صالح، واعٍ، مريد، قادر على الاجتماع مع غيره حول الحق والعدل والمصلحة المشتركة.
فالطريق إلى وحدة الجماعة يبدأ من جديد من حيث بدأنا:إصلاح الإنسان، ثم إصلاح العلاقة بين الإنسان والإنسان، ثم بناء الجماعة، ثم بناء الحضارة.

