تحدّث الدكتور وائل كريم البارحة، في تأملاته في الآيات، عن قوله تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾.
وأعيد اليوم ما طرحه على صفحتي، لعلّ الفائدة تتسع، فالفائدة ليست دائمًا في أن نقرأ معلومة جديدة، بل قد تكون في أن نتوقف أمام آية اعتدنا معناها، فنراها من زاوية أخرى، ونفتح باب التفكّر فيها من جديد.
البارحة، توقّف الدكتور عند «غضّ البصر» و«حفظ الفرج»، وقرأهما قراءة مختلفة عن المعنى الذي ألفناه، فاتحًا بابًا لتأمل الآية بوصفها جزءًا من مشروع قرآني أوسع في تزكية الإنسان وتهذيب وعيه.
فنحن غالبًا ما نفهم «غضّ البصر» مباشرةً في سياق النظر بين الرجل والمرأة، ونفهم «حفظ الفرج» في سياق العفة الجنسية. وهذا المعنى حاضر في الآية، لكن السؤال الذي يطرحه هذا التأمل هو: هل تتوقف دلالة الآية عند هذا الحد؟هنا يبدأ المعنى الأوسع.
غضّ البصر لا يعني ألّا ترى، بل كيف ترى.
فالإنسان قد تقع عينه على شخص أو موقف أو صورة، لكن المسألة لا تنتهي عند لحظة الرؤية. ما يحدث بعد ذلك داخل الإنسان هو الأهم: هل يتحول ما رآه إلى حسد؟ إلى احتقار؟ إلى سخرية؟ إلى مقارنة مؤذية؟ إلى تشهير أو إدانة؟
من هنا يمكن فهم «الغضّ» بوصفه تهذيبًا للاستجابة لما نراه.
إذا رأيت إنسانًا أجمل منك، فلا تجعل رؤيتك له سببًا للحقد أو المقارنة.
وإذا رأيت إنسانًا أفقر منك، فلا تنظر إليه بعين الاستعلاء.
وإذا رأيت ضعفه، فلا تجعل ضعفه مادة لشفقة تهين كرامته.
وإذا رأيت عيبه، فلا تحول عيبه إلى حديث المجالس.
وإذا رأيت خطأه، فلا تجعل منه فرصة للسخرية منه.
هنا يصبح غضّ البصر أدبًا في الرؤية، وليس مجرد منعٍ للنظر.
ثم نصل إلى قوله تعالى:﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.
المعنى المعروف يتعلق بحفظ العفة والجسد، وهو معنى أساسي في الآية. لكن التأمل يلفت النظر إلى أن «الفرج» في العربية يرتبط أيضًا بالانفتاح والمنفذ، واستُعمل في بعض السياقات للدلالة على موضع السرّ وما ينبغي حفظه.
ومن هنا يتسع السؤال:ما الذي يجب على الإنسان أن يحفظه عندما يخرج منه؟ليس الجسد وحده، بل أيضًا الكلمة.فالكلمة قد تفضح، كما قد يستر الإنسان غيره.
وقد تهين، كما قد تحفظ الكرامة.
وقد تكسر إنسانًا، كما قد تعيد إليه الحياة.
وعندها تتصل الآية بمنظومة أخلاقية متكاملة:ما تراه العين يدخل إلى الوعي، وما يستقر في الوعي يتحول إلى شعور، وما يتحول إلى شعور قد يخرج كلمةً أو سلوكًا.
ولهذا فإن تهذيب العين ليس قضية منفصلة عن تهذيب اللسان.
أن تغضّ بصرك يعني ألّا تسمح لكل ما تراه أن يجرّك إلى حكم قاسٍ أو شعور مؤذٍ.
وأن تحفظ «فرجك» بمعناه الأوسع يعني أن تحفظ ما يخرج منك، فلا تجعل لسانك منفذًا للفضيحة والإهانة والسخرية وكشف الأسرار.
وهنا نفهم بصورة أعمق ختام الآية:
﴿ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾.
فالغاية ليست فقط أن يمنع الإنسان نفسه من سلوك معين، وإنما أن يزكو الإنسان من الداخل.
أن يتعلم كيف يرى دون أن يؤذي، وكيف يشعر دون أن يحقد، وكيف يتكلم دون أن يهتك، وكيف يختلف دون أن يهين.
وهكذا تصبح الآية، إلى جانب بعدها التشريعي المعروف، درسًا عميقًا في تربية الوعي الإنساني:
طهّر ما يدخل إليك من العين، واحفظ ما يخرج منك من اللسان، وبينهما ابنِ قلبًا أزكى.