من أبلغ ما يعلّمنا القرآن عن قوة كلمة الحق وثمنها وثمرتها قصة مؤمن آل ياسين.
رجل لم يكن صاحب سلطان ولا جاه، لكنه كان يملك ما هو أعظم: الإيمان والبصيرة والشجاعة.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ۝ اتَّبِعُوا مَن لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
تأملوا: ﴿يَسْعَىٰ﴾.
لم ينتظر أن يأتي الحق إليه، بل سعى إليه وسعى لنصرته. فالحق ليس معرفةً نخزنها في عقولنا، بل مسؤولية تتحول إلى موقف وسعي وشهادة.
ثم أعلن حجته:
﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
فلم تكن كلمته صراخًا ولا خصومة ولا كيدا، بل حجة تقوم على اليقين والبصيرة.
وحين واجهه الباطل لم يتراجع، فكان جزاؤه أن قُتل.
لكن القرآن يكشف لنا أن ما بدا خسارةً في ميزان الدنيا كان فوزًا في ميزان الله:﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ۝ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
هم أسكتوا صوته في الأرض، لكن الله أبقى كلمته إلى يوم القيامة.
وهنا نفهم: قد يُهزم صاحب الحق في لحظة، لكن الحق لا يُهزم في ميزان الله.ولهذا لا يريد القرآن من المؤمن أن يعرف الحق فقط، بل أن يشهد له:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
والاختبار الحقيقي أن يكون الحق حقًا حتى عندما يكون ضد مصلحتنا:﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
ثم يأتي التحذير:﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
وهنا تبلغ المسألة غايتها:ليست المشكلة فقط أن يقول الإنسان الباطل؛ أحيانًا تكون المشكلة أن يعرف الحق ثم يصمت عنه.أن يرى ظلمًا ويسكت، أو يعرف مظلومًا ويتركه وحيدًا، أو يعلم الحقيقة ويخشى ثمن إعلانها.
لكن كلمة الحق ليست صراخًا ولا تجريحًا؛ إنها علم وبصيرة وعدل وإخلاص.
فلا تسأل فقط: كم عدد الذين يقفون معي؟بل اسأل: هل أنا أقف مع الحق؟
ولا تسأل: ماذا سأخسر إذا قلت الحق؟
بل اسأل: ماذا سأخسر إذا عرفت الحق ثم خذلته؟
قد تبدو الكلمة صغيرة في الدنيا، لكنها قد تكون عظيمة عند الله.
فاسعَ إلى الحق، وقل الحق، واشهد له، ولا تجعلك خشية الناس تكتم ما أوجب الله عليك بيانه.
فقد تكون الكلمة التي قلتها في الدنيا، بعد أن دفعت ثمنها، هي نفسها سبب نجاتك يوم تلقى الله.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.