كلما كنت نقيًّا، أحبك الأطفال، والحيوانات، والطيور، والشجر… وقليلٌ من البشر.
عندما قرأت هذه العبارة، شعرت أنها تختصر حقيقةً عميقة، ثم حاولت أن أتأمل سرها.
الأطفال يتفاعلون بفطرتهم السليمة، والحيوانات بغريزتها التي أودعها الله فيها، والطيور بما فطرها الله عليه من إحساسٍ بالأمان والخوف، وحتى الشجر وسائر المخلوقات تستجيب لأمر الله وتسير وفق السنن التي أودعها فيها. ولذلك فإنها لا تعرف النفاق، ولا المصلحة، ولا الأقنعة، بل تستجيب لما تشعر به من سكينة وصفاء.
أما الإنسان، فقد كرّمه الله بالعقل والاختيار، ليكون العقل حارسًا لفطرته، لا أداةً لتبرير أهوائه. غير أن قليلًا من الناس يجعلون عقولهم في خدمة الحق، بينما يجعلها كثيرون في خدمة الهوى، والمصلحة، وحب الذات، وحب الدنيا. وهنا يبدأ الفرق.
فالناس ليسوا سواء. فمنهم من بقيت فطرته حيّة، فإذا رأى إنسانًا صادقًا أحبه، وإذا رأى خيرًا فرح به، وإذا رأى نجاحًا بارك لصاحبه. ومنهم من غلبت عليه الأهواء والمصالح، فلم يعد يقيس الناس بما يحملون من نقاء، بل بما يحققونه له من منفعة، أو بما يراه تهديدًا لمكانته أو رغباته.
ولهذا، قد يحبك طفل لأنه شعر بصدقك، وقد يألفك حيوان لأنه وجد عندك الأمان، بينما قد ينفر منك بعض البشر؛ لا لأن فيك نقصًا، بل لأن نقاءك يوقظ في نفوسهم ما غطته الأهواء، ويذكّرهم بما فقدوه من صفاء الفطرة.
ولعل هذا يفسر لماذا كان أهل الصفاء والاستقامة أقلية في كل زمان. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفي موضع آخر: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
فالقلة هنا ليست لأن الخير نادر في أصله، فالله خلق الناس على الفطرة، كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وإنما لأن الحفاظ على صفاء الفطرة يحتاج إلى مجاهدةٍ للنفس، وانتصارٍ دائم على الهوى.
لذلك، لا تجعل معيارك كثرة من يحبونك، بل نوعية القلوب التي تلتقي مع قلبك. فالفطرة السليمة تعرف الفطرة السليمة، كما تعرف العين النور إذا أشرق، ومحبة أصحاب الفطرة السليمة أثمن من إعجابٍ تصنعه المصلحة، أو مجاملةٍ يفرضها النفاق.

