في يوم الجمعة نتذكر نبيَّ الرحمة ﷺ
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. لم تكن هذه الآية وصفًا نظريًا، بل كانت حياةً عاشها رسول الله ﷺ في كل موقف.
كان يواسي طفلًا صغيرًا حزن على موت عصفوره، فيقول له: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، ليعلّمنا أن كسر خاطر طفل ليس أمرًا يسيرًا، وأن جبره عبادة.
وكان إذا سمع بكاء طفل وهو يؤم الناس في الصلاة، خفف صلاته رحمةً بأمه، فقال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي؛ كراهية أن أشق على أمه.»
ورأى أعرابيًا بال في المسجد، فنهى أصحابه عن تعنيفه، وقال: «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين.» فصحح الخطأ، وحفظ كرامة صاحبه.
وكان يحمل حفيديه الحسن بن علي والحسين بن علي، ويطيل السجود إذا ركبا على ظهره حتى لا يزعجهما، ويقول: «من لا يَرحم لا يُرحم.»
ولم تقتصر رحمته على الإنسان، بل شملت الحيوان؛ فقد رأى ناقةً قد أجهدها صاحبها، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم.» ونهى عن تعذيب الحيوان، وأخبر أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، وأن رجلًا غفر الله له لأنه سقى كلبًا عطشانًا.
ولما مرّت جنازة يهودي، قام لها احترامًا لحرمة النفس الإنسانية، فلما قيل له: إنها جنازة يهودي، قال: «أليست نفسًا؟»
وفي الطائف، بعدما أُدميت قدماه ورُمي بالحجارة، لم يدعُ على أهلها، بل دعا لهم بالهداية، راجيًا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده.
ثم جاء يوم فتح مكة، يوم القدرة والانتصار، فوقف أمام من آذوه وحاربوه وأخرجوه من وطنه، وقال كلمته الخالدة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» فكان العفو عند المقدرة أعظم من كل انتقام.
هذه هي الرحمة التي نحتاج إليها اليوم وكل يوم.
رحمةٌ تبدأ من البيت، وتمتد إلى الجار، والضعيف، واليتيم، والحيوان، وحتى المخالف. فالاقتداء بالنبي ﷺ لا يكون بكثرة الأقوال فحسب، بل بأن يصبح القلب ألين، واللسان أرفق، واليد أبعد عن الأذى.
قال ﷺ: «الرَّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.»
فاللهم ارزقنا من رحمته خُلُقًا، ومن هديه سلوكًا، ومن شفاعته نصيبًا، واجعلنا ممن يقتفون أثر نبي الرحمة ﷺ في أقوالهم وأفعالهم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

