أمقتُ شيئًا، وأخافه كثيرًا: ذلك الخطاب الطائفي الذي يُوقظ في الناس غرائز الخوف والكراهية، ويُقنع الإنسان بأن أخاه في الوطن عدوٌّ له لمجرّد اختلافه في المذهب أو الدين. إنه خطابٌ بدأ ينتشر في الآونة الأخيرة، محاولًا أن يحوّل التنوع الذي أراده الله بين البشر إلى مصدر انقسام وخصومة، بدل أن يكون مصدر غنى وتكامل.
لقد جعل الله الاختلاف بابًا للتعارف والثراء، لا ذريعةً للتناحر، فقال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
لذلك فإن كل من يحوّل الاختلاف إلى خلاف، والتنوع إلى عداوة، إنما يخالف حكمة الله، ويؤذي نفسه، ويعتدي على الإنسانية جمعاء.
إنه يخالف حكمة الله، لأن الله جعل اختلاف البشر آيةً من آياته، لا سببًا للبغضاء والاقتتال. فجميع الأديان، في جوهر رسالتها، جاءت لترفع الإنسان فوق أحقاده، ولتهذّب قلبه، لا لتمنحه مبررات للكراهية. الإنجيل لم ينهى عن التعصب فحسب، بل دعا إلى أسمى مراتب المحبة، إذ قال السيد المسيح: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم».
وهو يؤذي نفسه، لأن الطائفية حين تتحول من هوية ثقافية إلى سلاح سياسي تصبح نارًا تأكل أصحابها قبل خصومها. فهي تعمي الإنسان عن رؤية قيمة أخيه، وعن علمه وأخلاقه وإنسانيته، فلا يعود يرى فيه إلا عنوانًا طائفيًا، فيحرم نفسه من التعلم منه، والتعاون معه، والتكامل معه.
وهو يعتدي على الإنسانية، لأنه يختزل تاريخًا غنيًا، وثقافاتٍ عريقة، وتجاربَ مشتركة، في خطاب خوف وكراهية، يقيم جدرانًا بين البشر بدل أن يبني جسورًا للتعاون والتكامل.
نحن لا نحتاج إلى أن نلغي اختلافاتنا، فالاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، ولكننا نحتاج إلى أن نمنع اختلافاتنا من إلغاء إنسانيتنا.
فالأوطان لا تُبنى عندما ينتصر فريق على فريق، ولا عندما يُهزم إنسان أمام إنسان، بل عندما ينتصر الإنسان في داخلنا على التعصب، وينتصر العقل على الخوف، والمحبة على الكراهية. وعندها فقط يصبح اختلافنا مصدر قوة، لا سببًا للفرقة، وثروةً للأوطان، لا لعنةً عليها.

