من يتابع السياسة الدولية يستطيع أن يلحظ كيف تعاملت الولايات المتحدة مع اتفاق إسلام آباد، محاولةً الالتفاف عليه من خلال اتفاق الإطار في لبنان، أو عبر التفاهمات المتعلقة بالمضائق البحرية مع عُمان وغيرها، بحيث بدا وكأن الاتفاق بقي قائمًا في شكله، لكنه أُفرغ من مضمونه.
لكن، في الحقيقة، هذه ليست سياسة جديدة، وإنما امتداد لأسلوب قديم انتهجه هذا المحور، يقوم على الإبقاء على الشكل وإفراغه من روحه، والمحافظة على العنوان مع تبديل مضمونه.
بدأ اذلك باستهداف الدولة ومؤسساتها. فرفعت شعارات السيادة الشعبية والديمقراطية والحرية، لكن فرغ كثير منها من مضمونه عندما حصر الوصول إلى السلطة عمليًا في طبقة سياسية أو اقتصادية محددة يسهل التأثير فيها والتحكم بمسارها. وبذلك بقيت المؤسسات قائمة، وبقيت الشعارات مرفوعة، لكن غابت المضامين التي وُجدت من أجلها.
ثم انتقل الاستهداف إلى الإنسان نفسه، عبر الإعلام، والأفلام، والمؤثرين، التي عملت على التلاعب بمعايير الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحلال والحرام، والجميل والقبيح، حتى يفقد الإنسان البوصلة التي يحاكم بها الأشياء، ويصبح أسير ما يُسوَّق له أو ما يلمع أمامه. فحين تضيع المعايير، يصبح توجيه المجتمعات أسهل بكثير. وهذا ما نبّه إليه الكاتب الكندي آلان دونو في كتابه نظام التفاهة، حيث لا تنتصر القيمة، بل الصورة، ولا الكفاءة، بل القابلية للتسويق.
ثم انتقل الاستهداف إلى الأسرة، لأنها الحصن الطبيعي للإنسان. فبدأ التشكيك في قدسية الزواج، وتعظيم الفردانية حتى غدت قيمة بحد ذاتها، وتسهيل العلاقات خارج إطار الأسرة، ثم الترويج لأنماط اجتماعية جديدة، ومنها المثلية، ونشر النسوية المقيتة. وقد اسهمت اتفاقية سيداو في إعادة تعريف مفهوم الأسرة والأدوار داخلها، بما يعزز الفردانية ويضعف النموذج الأسري التقليدي. فالأسرة المتماسكة تبقى الحصن الأول للمجتمع، والإنسان المنعزل عن أسرته وشبكاته الاجتماعية يصبح أكثر هشاشة، وأقل قدرة على المقاومة، وأكثر قابلية للتوجيه، بينما يبقى التماسك الأسري والاجتماعي مصدر قوة واستقلال.
لذلك أعود وأكرر: إن أخطر أدوات الهيمنة ليست القوة العسكرية وحدها، بل القدرة على تغيير المعاني دون أن يشعر الناس من خلال القوى الناعمة التي هي اشد فتكا لانها تستهدف الروح والمعنى. أن يبقى كل شيء في مكانه، لكن بعد أن يفقد جوهره. فحين يُفرَّغ الإنسان من قيمه، والأسرة من رسالتها، والدولة من سيادتها، يصبح الانتصار على المجتمعات ممكنًا من دون احتلال أرضها، لأنها تكون قد فقدت مناعتها من الداخل.
ولذلك، فإن معركة هذا العصر ليست معركة حدود فحسب، بل معركة مفاهيم ووعي.
من يحافظ على معاني الحق والعدل، والأسرة، والهوية، والسيادة، يكون قد امتلك أول شروط الصمود؛ لأن سقوط المعاني يسبق، في كثير من الأحيان، سقوط الأوطان.