للأسف، يسود في عالمنا الإسلامي خلل واضح في المنظومة القيمية؛ إذ تتحول أحيانًا الوسائل والشكليات والطقوس إلى غايات بحد ذاتها، بينما تتراجع الغايات والمقاصد التي شُرعت هذه الوسائل لتحقيقها.

والقرآن الكريم يؤكد مرارًا أن القيمة الحقيقية ليست في الشكل وحده، وإنما في الأثر الذي يتركه في الإنسان وسلوكه. يقول تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فالتقوى هي الغاية من الصيام. ويقول:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، فالصلاة ليست مجرد حركات وأقوال، وإنما يفترض أن تنعكس على أخلاق الإنسان وسلوكه. ويقول سبحانه:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ …﴾، فينقل التركيز من مجرد الاتجاه والشكل إلى الإيمان والقيم والعمل.

ومن هنا، فإن تعظيم الوسائل والشكليات على حساب الغايات والجواهر قد يقلب ميزان الدين نفسه؛ فتصبح الوسيلة وكأنها فضيلة مستقلة، ويُقاس التدين بمدى الالتزام بالمظهر والطقس، بدل أن يُقاس بما أحدثه ذلك في النفس من إيمان وتقوى وصدق ورحمة وعدل وعمل صالح.

ولا يعني هذا أن الوسائل أو العبادات الشكلية غير مهمة؛ بل هي جزء من الدين، لكن قيمتها لا تُفهم بمعزل عن مقاصدها وآثارها. فالمطلوب هو أن تخدم الوسائلُ الغاياتِ، لا أن تحل محلها.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم كثير من القضايا، ومنها قضية الحجاب. فالغاية الأخلاقية التي ينبغي أن تُفهم في سياقها هي الحشمة والعفة وصيانة الكرامة، أما اللباس في ذاته فهو مفهوم أوسع، وتتأثر تفاصيله بالثقافة والعرف والبيئة والمناخ والظروف الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك ينبغي التفريق بين المبدأ الأخلاقي المقصود وبين التفاصيل الشكلية التي قد تختلف باختلاف الزمان والمكان والثقافة.

والأصل في النهاية أن يكون اهتمامنا الأكبر بـ تزكية النفس، وتعميق الإيمان، وإصلاح السلوك، والعمل الصالح؛ فهذه هي الثمار التي ينبغي أن تقود إليها الشعائر والوسائل، لا أن تصبح الشعائر غاية منفصلة عن تلك الثمار.