حين أتأمل النساء اللواتي اختار القرآن أن يخلّد قصصهن، أتوقف أمام تنوّعهن قبل أن أتوقف أمام صفاتهن.

لم يقدّم القرآن للمرأة قالبًا واحدًا، ولم يجعل عظمتها في صورة واحدة؛ بل قدّم لنا نساءً مختلفات، في أدوارهن وظروفهن وامتحاناتهن، لكن كل واحدة منهن تحمل معنى من معاني المرأة التي يريدها الله.

امرأة فرعون، التي عاشت تحت سقف الطغيان، لكنها لم تجعل زوجها حجابًا بينها وبين الحق، فقالت:

﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾.

كانت تقول لنا: كوني ثابتة، ولو كنت وحدك في مواجهة الباطل.

مريم عليها السلام، التي أحصنت فرجها، وقنتت لربها، وصبرت على امتحان لم يكن لأحد أن يتخيله:

﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾.

تقول لنا: احفظي طهرك، وليكن بينك وبين الله من الصدق ما لا تهزّه نظرات الناس.

امرأة عمران، التي نذرت ما في بطنها لله قبل أن تعرف من سيكون هذا المولود:

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾.

تقول لنا: اجعلي لله نصيبًا من أحب ما تملكين.

وعندما ولدت مريم قالت﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾.

تقول لنا: الأمومة ليست امتلاكًا، بل أمانة وتسليم لله.

أم موسى، التي بلغ بها الخوف على وليدها موسى أن جاءها الأمر الإلهي بما يعجز عنه قلب الأم:

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.

تقول لنا: ثقي بالله حتى عندما يبدو طريق النجاة مخالفًا لكل ما يراه العقل.

أخت موسى، التي لم تستسلم للخوف، بل بقيت تراقب أخاها، حتى قالت:﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾.

تقول لنا: كوني يقظة، ذكية، مبادرة، وحاضرة حين تحتاجك الحياة.

ابنتا شعيب، اللتان خرجتا لسقي الغنم، فلم يمنعهما العمل من الحياء، ولم يجعل الحياء منهما عاجزتين عن السعي. وحين جاءت إحداهما إلى موسى وصفها القرآن:

﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.

تقول لنا: كوني حيية، لكن لا تجعلي حياءك ضعفًا يعطّل دورك في الحياة.

ملكة سبأ، التي كانت في موقع قيادة، فلم تستبد برأيها، بل قالت لقومها:

﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾.

ثم لما ظهر لها الحق لم يمنعها سلطانها من اتباعه:

﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

تقول لنا: فكّري، وشاوري، ولا تجعلي مكانتك تمنعك من الرجوع إلى الحق.

وفي المقابل، يضع القرآن أمامنا امرأة نوح وامرأة لوط، ليقول لنا إن قرب المرأة من الصالحين لا يغنيها عن صلاحها، وأن الإنسان لا ينقذه نسبه ولا زواجه إذا اختار طريقًا بعيدًا عن الله.

ويضع أمامنا امرأة العزيز، ثم يترك لنا في اعترافها درسًا آخر حين قالت:

﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

فإن الاعتراف بالحق بعد الخطأ يمكن أن يكون بداية رجوع.

ثم نخرج من القرآن إلى بيت النبوة، فنجد خديجة عليها السلام، التي صدّقت رسول الله ﷺ واله حين كذّبه الناس، وآمنت به حين كان الإيمان به امتحانًا، وكانت له سكنًا وسندًا في أصعب البدايات.

ونجد فاطمة الزهراء عليها السلام، التي جمعت في سيرتها العبادة والطهر والكرامة والوفاء، وكانت ابنة رسول الله ﷺ التي أحبها وأكرمها.

ثم تأتي زينب عليها السلام، لتضيف إلى هذه الصورة معنى آخر:

المرأة التي تحمل الرسالة بعد سقوط الرجال.

خرجت من كربلاء مثقلة بالمصاب، لكنها لم تسمح للمصيبة أن تقتل الرسالة. وقفت في الكوفة وفي مجلس ابن زياد، ثم في مجلس يزيد، تحمل شهادة أخيها وأهل بيتها، وتحول دون أن تُدفن الحقيقة معهم.

ولذلك قيل في وصف أثرها:

«لولا زينب، لماتت كربلاء في كربلاء.»

وفي زينب درس آخر للمرأة:

قد تكون رسالتك أحيانًا ألا تسمحي للحقيقة أن تُدفن مع أصحابها.

فمريم حفظت الطهر، وآسية حفظت الإيمان، وامرأة عمران حفظت النذر الامومة، وأم موسى حفظت الأمل، وأخت موسى حفظت أخاها، وابنة شعيب حفظت الحياء، وملكة سبأ حفظت العقل، وخديجة حفظت الرسالة في بدايتها، وفاطمة حفظت نور بيت النبوة، وزينب حفظت صوت كربلاء.

وهكذا تتعدد الصور، لكن المعنى واحد:

الله لا يريد للمرأة أن تكون نسخةً من امرأة أخرى؛ بل يريدها أن تكون هي، ولكن في أجمل صورة تستطيع أن تبلغها من الإيمان والعفة والعقل والحياء والشجاعة والرحمة والكرامة.

امرأةً تعرف ربها، وتحفظ طهرها، وتستعمل عقلها، وتنهض بمسؤوليتها، وتقول الحق، وتثبت حين تُختبر، وتستحي دون أن تنكسر، وتعمل دون أن تفقد كرامتها، وتحب دون أن تجعل حبها لغير الله.

فالسؤال ليس: أيُّ امرأة يريد الناس منكِ أن تكوني؟

بل: أيُّ امرأة يريد الله لكِ أن تكوني؟ومن هنا تبدأ الرحلة…

سنتناول كل أسبوع قصة امرأة من هؤلاء النساء، نقف عند حياتها، وامتحانها، وموقفها، ونبحث عن المعنى الذي أراد الله أن يخلّده لنا من خلالها.

امرأةً بعد امرأة، لعلنا نكتشف أن في كل واحدة منهن شيئًا من المرأة التي يريد الله لنا أن نكونها.