إلف النعمة،حين ننسى أنها نعمة.
من أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعتاد النعمة حتى لا يعود يشعر بها.
فالإنسان لا يجحد النعمة بالضرورة لأنه لا يعرف قيمتها، وإنما قد يجحدها لأنه ألف وجودها.
ما كان بالأمس أمنيةً يتمنى تحققها، يصبح اليوم أمرًا عاديًا؛ وما كان يدعو الله طويلًا أن يرزقه به، قد يتعامل معه بعد سنوات وكأنه حق طبيعي لا فضل فيه لأحد.
وهنا يلفت القرآن نظرنا إلى معنى دقيق في سورة قريش:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
الإيلاف هو الاعتياد والألفة. وكأن السورة تضع يدها على المشكلة: أن الإنسان قد يألف النعمة حتى ينسى أنها لم تكن دائمًا موجودة.
ولفهم ذلك، يعيدنا القرآن إلى قريش.
فقريش عرفت في الجاهلية الجوع والفقر والخوف، وكانت هناك عادة قاسية تُسمّى الاعتفار، حين يبلغ الفقر بالإنسان مبلغًا شديدًا، فيأخذ أهله إلى مكان منعزل، فيتركون حتى يموتوا من الجوع، بدل أن يراهم الناس في حال من العجز والحاجة.
ثم جاء هاشم بن عبد مناف، فعمل على معالجة هذا الواقع، فنظّم التكافل بين قريش، وجعل الأغنياء يعينون فقراء عشائرهم، وسعى إلى تنظيم التجارة ورحلتي الشتاء والصيف، فتحولت مكة تدريجيًا من حالٍ عرفت الجوع إلى حال من الرخاء، ومن الخوف إلى الأمن.
لكن الزمن يفعل بالإنسان شيئًا عجيبًا:
يجعل ما كان استثنائيًا مألوفًا، وما كان حلمًا عاديًا، وما كان فضلًا يبدو حقًا مكتسبًا.
ولهذا لم يكتفِ القرآن بأن يقول لقريش: اشكروا النعمة، بل ذكّرهم بالماضي الذي كانوا فيه قبل النعمة:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.
كأن المعنى: تذكّروا الجوع حتى تعرفوا قيمة الطعام، وتذكّروا الخوف حتى تعرفوا قيمة الأمن.
وهذا ليس خاصًا بقريش.
ففي سورة النحل يضرب الله مثلًا بقرية كانت تعيش ما يشبه النعيم الكامل:
﴿كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾.
تأملوا التعبير: آمنة، مطمئنة، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان. كل أسباب النعمة كانت حاضرة، لكن النعمة حين تُؤلف قد تصبح غير مرئية.
ثم كانت النتيجة:﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾.
وفي سورة سبأ نجد المعنى نفسه: نعمة واسعة، ورزق وفير، وأمر بالشكر:﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾.
ثم جاء الإعراض، فجاء زوال النعمة.
إذن، القرآن لا يحذرنا فقط من فقدان النعمة، بل يحذرنا من المرحلة التي قد تسبق فقدانها: أن نفقد الإحساس بها ونحن نملكها.
ولهذا ربما كان من أجمل ما يمكن أن نفعله كلما شعرنا أن نعمة في حياتنا أصبحت عادية، أن نعود بذاكرتنا إلى ما قبلها.تذكّر ما كنت تتمناه.تذكّر ما كنت تدعو الله أن يحققه.تذكّر الأيام التي كنت تخاف فيها من فقدان ما أصبح اليوم حاضرًا في حياتك.تذكّر كم مرة قلت: لو يرزقني الله بهذا فقط، لشكرتُه.
ثم انظر حولك.ربما ستكتشف أن جزءًا كبيرًا من حياتك اليوم هو استجابة لدعوات الأمس.
وهنا تتجلى حكمة التذكير القرآني: الماضي ليس فقط شيئًا مضى؛ أحيانًا يكون وسيلة لاستعادة إحساسنا بنعم الحاضر.
فلا تنتظر أن تفقد النعمة حتى تعرف قيمتها، ولا تجعل الاعتياد يحوّل فضل الله إلى حق مكتسب في نظرك.
فالنعمة التي تستمر ليست نعمة أقل قيمة لأنها تكررت، بل ربما كان دوامها هو أعظم ما فيها.
وتبقى القاعدة القرآنية﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالحمد لله على النعمة حين تأتي، والحمد لله عليها حين تستمر، والحمد لله الذي يعلّمنا أن نرى النعمة وهي بين أيدينا، قبل أن نعرف قيمتها بعد أن تفارقنا.

