حين قرأت حديث النبي ﷺ واله، عن «إخوانه» الذين يأتون من بعده، توقفت عند شيء بالغ الدلالة:
لم يقل إنهم سيكونون أقرب الناس إليه زمانًا، بل وصفهم بأنهم يؤمنون به ولم يروه، ويحبونه وينصرونه ويصدقونه.
وكأن الرابط الذي سيجمعه بهم ليس اللقاء، وإنما الإيمان به والثبات على ما جاء به حين يصبح الثبات صعبًا.
وهنا أتذكر أصحاب الكهف.
فهم أيضًا لم يكونوا في زمن هادئ للإيمان، بل كانوا في مواجهة فتنة تهدد أصل عقيدتهم، وحين أصبحت المحافظة على دينهم لها كلفة، اختاروا أن يدفعوا هذه الكلفة.قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا﴾.
تأملوا:﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
ثم:﴿إِذْ قَامُوا﴾فالثبات يبدأ في القلب، ثم يتحول إلى موقف.
أصحاب الكهف حفظوا إيمانهم في زمن الفتنة، وأصحاب النبي ﷺ نصروه حين كان الوحي ينزل بينهم، وأولئك الذين سماهم النبي ﷺ «إخوانه» سيأتون من بعده، فيؤمنون به ولم يروه، ويحبونه وينصرونه ويصدقونه.
ومن هنا يمكن أن نفهم المعنى لا أن نحصره في جماعة أو زمن.
أهل الثبات لا يظهرون في أزمنة الرخاء، وإنما تكشفهم الفتن.
– فقد تكون امرأة عفيفة تتمسك بحيائها في زمن صارت فيه طرق الشهوة معبّدة وميسّرة، وصار التنازل عن الحياء ثمنًا للقبول.
– وقد يكون شابًا يصر على المال الحلال، في زمن صار فيه الغش والتحايل والحرام عند البعض «شطارة».
– وقد يكون موظفًا يرفض الرشوة والمحسوبية، ولو خسر مصلحة أو ترقية أو فرصة.
– وقد تكون أمًا تربي أبناءها على الإيمان وسط عالم يحاول أن يسحب الدين من تفاصيل حياتهم.
– وقد يكون فقيرًا يصبر على حاجته ولا يبيع كرامته ولا دينه من أجل المال.
– وقد يكون نازحًا خرج من بيته، لكنه لم يسمح للمحنة أن تخرّب قلبه، ولا للحرمان أن يسقط أخلاقه وإيمانه.
– وقد يكون إنسانًا يقول الحق حين يصبح السكوت أكثر أمانًا، ويتمسك بمبدئه حين يكون التنازل عنه أكثر راحة.
– وقد يكون مقاومًا على جبهة القتال، مستعدًا لأن يدفع من جسده وحياته ثمنًا لما يؤمن به، دفاعًا عن أرضه وأهله، وعن الحق والعدل كما يراهما.
هذه صور مختلفة، لكن يجمعها معنى واحد:
أن الإنسان حين يصبح الثبات على دينه ومبدئه مكلفًا، لا يتراجع.
وهنا تحديدًا تصبح قصة أصحاب الكهف حيّة في كل عصر.
فالكهف ليس مجرد مكان احتمى فيه أولئك الفتية؛
إنه صورة لإنسان اختار أن يحمي إيمانه حين أصبح الإيمان مهددًا.
والفتن تتغير، والأمكنة تتغير، والأثمان تتغيرلكن الامتحان واحد:ماذا تفعل حين يصبح ثباتك مكلفًا؟
ربما لهذا أخبر النبي ﷺ عن أناس سيأتون من بعده، لم يروه، ومع ذلك سماهم:«إخواني».
لأن بعض الناس قد تفصلهم عن رسول الله ﷺ قرون، لكن لا تفصلهم عنه الفتن.
تتغير الأزمنة، ويبقى أهل الثبات.