«الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»
هذه الآية أرسلها إليّ أحد المتابعين تعليقًا على تناولي لسورة الكهف، وكأنه يطرح سؤالًا مهمًا:
أليس من الممكن أن يكون الإنسان مخطئًا في اجتهاده، وهو يظن أنه يحسن صنعًا؟
بلى، وهذا ممكن جدًا.
لكن قبل أن نسقط الآية على كل إنسان يختلف معنا، علينا أن نقرأها في سياقها.
فالآية جاءت في سياق فتنة أعمق من مجرد الخطأ في الرأي؛ عن قوم ضل سعيهم عن الحق، وبلغ بهم الأمر أن كفروا بآيات الله ولقائه، ومع ذلك كانوا يظنون أنهم يحسنون صنعًا.
أي أن المشكلة ليست مجرد خطأ في الاجتهاد، وإنما أن ينحرف الإنسان عن الحق، ثم يفقد القدرة على رؤية انحرافه، فيصبح الباطل في نظره حقًا، والضلال هدى، والفساد إصلاحًا.
وهنا يأتي السؤال:
متى يكون الاجتهاد اجتهادًا، ومتى يتحول إلى إفساد؟
الاجتهاد في ذاته ليس إفسادًا.
بل قال النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر».
إذن هناك فرق بين من يجتهد طالبًا للحق فيخطئ، وبين من يجعل هواه أصلًا ثم يبحث للنصوص عن مبررات توافقه.
فالاجتهاد لا يكون إفسادًا لمجرد أنه جديد، أو لأنه يخالف ما اعتدناه. وإنما يصبح خطيرًا حين يصطدم بقطعي ثابت، أو يقوم على تحريف النص، أو يوظف الدين لخدمة الهوى والظلم والفساد.
أما أن نقرأ النص، ونتدبره، ونبحث عن مقاصده، ونحاول تنزيل هدايته على واقع جديد، فهذا ليس إفسادًا؛ بل هو من مسؤولية العقل الذي خاطبه القرآن.
فالقرآن ليس كتابًا للتبرك فقط، ولا كتابًا نحتفظ به حتى يأتي الموت فنقرأه على أمواتنا؛ إنه كتاب حياة، نزل ليخاطب الأحياء ويهدي حياتهم.
وهنا السؤال الحقيقي:
في عالم تتغير فيه العلوم، والأفكار، والعلاقات، والمجتمعاات، هل نريد أن يبقى الدين في مساحة منفصلة عن حياتنا، أم نعيده إلى قلب عالمنا؟
أن يكون حاضرًا في علمنا، وتجاربنا، وتطورنا، وأخلاقنا، وقراراتنا؛ من دون أن نخلط بين ثوابت الدين وبين التقاليد التي التصقت به حتى ظننا أنها منه.
فالقرآن ثابت، لكن أسئلتنا تتغير.
والنص محفوظ، لكن مسؤوليتنا أن نفهم هدايته في كل زمان.
ولذلك، لا أخشى من الاجتهاد بقدر ما أخشى من جمودٍ يجعل الموروث دينًا، والمألوف حقًا، وكل جديد فتنة.

