لفتتني هذه الآية من سورة الكهف، لا بما تقوله عن الصحبة فحسب، بل بدقّة الخطاب الإلهي فيها.

إنها آية جاءت من الله إلى رسوله ﷺ واله، وفيها من دقّة التربية ما يجعلنا نتوقف طويلًا عند كل كلمة فيها:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

كم هي عميقة في تربية النفس، واختيار الصحبة، ومعيار القيمة.

أولًا: تربية النفس

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾

لم يترك الله الإنسان لنفسه وأهوائها؛ فالنفس فيها ميل إلى العاجل والمحبوب، وإلى ما يوافق رغباتها ويمنحها الراحة والزينة.لذلك قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾.

أي درّبها، وألزمها، واحملها على ما ينفعها لا على كل ما تميل إليه.

وقد يكون من تربية النفس أن تُلزمها بصحبة من يذكّرها بالله، حتى لو لم تكن تلك الصحبة هي الأكثر إمتاعًا أو بريقًا أو تحقيقًا للمصلحة العاجلة.

فالنفس تحتاج إلى تدريب على اختيار ما ينفعها، لا مجرد اتباع ما يريحها.

ثانيًا: اختيار الصحبة

﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم… يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ هنا تضع الآية معيارًا للصحبة.

هناك من يريد وجه الله، وهناك من يتبع هواه:

﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

والفارق ليس في كثرة الكلام، ولا في المظهر، ولا في المكانة الاجتماعية؛ بل في الوجهة التي تحكم الإنسان من الداخل.وهنا تظهر المفارقة بين النموذجين:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} مقابل﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

فمن يريد وجه الله ليس فكرةً مجرّدة، بل إنسانٌ له ملامح يمكن أن تُرى في سلوكه.

وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام المؤمن وصفًا بديعًا:

«المؤمنُ بِشرُه في وجهه، وحُزنُه في قلبه، أوسعُ شيءٍ صدرًا، وأذلُّ شيءٍ نفسًا، يكرهُ الرفعة، ويشنأُ السُّمعة، طويلٌ غمُّه، بعيدٌ همُّه، كثيرٌ صمتُه، مشغولٌ وقتُه، شكورٌ صبور، مغمورٌ بفكرته، ضنينٌ بخلّته، سهلُ الخليقة، ليّنُ العريكة، نفسُه أصلبُ من الصَّلد، وهو أذلُّ من العبد».

وهذه الصفات، في مجموعها، ترسم لنا ملامح من يريد وجه الله، وتضع حدًّا فاصلًا بينه وبين من اتبع هواه.

فبقدر ما يحضر ذكر الله في القلب، تظهر آثاره في النفس والسلوك، وبقدر ما يستولي الهوى، يبتعد الإنسان عن هذه المعاني.

لكن الآية لا تكتفي ببيان أثر الهوى في صاحبه، بل تكشف لنا خطورة الصحبة وتأثيرها:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.

وهنا يظهر بوضوح أن الصحبة ليست علاقة محايدة.

فالإنسان لا يختار فقط من يجلس معه، بل يعرّض قلبه وعقله لما يحمله هذا الآخر.

ولهذا جاء التوجيه الإلهي: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾.

فالشرع لا يترك هذا الباب لمجرد الذوق الشخصي؛ لأن الطاعة تفتح باب التأثر، والتأثر قد يتحول إلى اتباع، والاتباع قد يعيد تشكيل القلب والاختيارات.

إنها حماية للإنسان من أن تصبح صحبته طريقًا إلى الغفلة، أو أن يتحول القريب منه، من حيث يشعر أو لا يشعر، إلى مرجعٍ له في ما يحب ويكره، وما يختار ويرفض.

فالصحبة التي نسمح لها بالدخول إلى حياتنا ليست مجرد حضور أشخاص حولنا؛ إنها، مع الزمن، مشاركة في صناعة الإنسان من الداخل.

ثالثًا: معيار القيمة والاختيار

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

وهنا تنتقل الآية من الصحبة إلى العين.

والله الذي خلقنا يعرف كيف يمكن للعين أن تؤثر في خياراتنا، بل أن تطيح أحيانًا بالمعنى الذي عرفه القلب.

فقد يعرف القلب قيمة الإنسان، ثم تقع العين على زينةٍ أخرى: مكانة، أو مال، أو شهرة، أو نفوذ؛ فيتبدّل الميزان شيئًا فشيئًا، ويبدأ الإنسان في اختيار علاقاته على أساس ما تراه العين، لا ما يعرفه القلب.

ولهذا لا تقول الآية فقط: لا تتركهم، بل تقول:﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.

كأنها تنبّهنا إلى أن النظر ليس أمرًا عابرًا؛ فما نكثر من النظر إليه قد يصبح معيارًا لما نرغب فيه، وما نرغب فيه يعيد تشكيل اختياراتنا.

وهنا تزداد الآية لفتًا للنظر في زماننا.

فما الذي تفعله وسائل التواصل اليوم؟

إنها تضع أمام أعيننا، على مدار الساعة، صورًا لامعة لحياةٍ منتقاة: نجاحٌ بلا تعب، جمالٌ بلا عيوب، رفاهٌ بلا كلفة، علاقاتٌ بلا مشكلات، وسعادةٌ تبدو مكتملة في كل صورة.

ثم نعتاد النظر.

وما نعتاد النظر إليه يبدأ، من حيث لا نشعر، في تشكيل ما نرغب فيه، وما نرغب فيه يعيد تشكيل اختياراتنا.

وكأن الله يحذّر الإنسان، قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، من أمر يتصل بجوهر هذه المسألة:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

فليست الخطورة في الصورة وحدها، بل في تكرار النظر، وما يزرعه التكرار في النفس.

قد تدخل الصورة من العين، ثم تستقر في الخيال، ثم تتحول إلى رغبة، ثم تصبح الرغبة معيارًا نقيس به حياتنا وعلاقاتنا وأنفسنا.

فالآية التي خاطبت الإنسان قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا ما زالت تضع يدها على واحدة من أخطر بوابات التأثير في الإنسان:عينه.

فلا تدع ما تراه من زينة الدنيا يجعلك تصرف بصرك عن أهل المعنى.

وإذا كان هذا أدبًا يوجّه الله به رسوله ﷺ، فكيف أحرى بنا نحن أن نقف عنده، ونحن أحوج إلى أن نضبط صحبتنا، وطاعتنا، ونظرنا، وما نسمح له بأن يصنع معاييرنا؟

فبعض العلاقات تأخذ من أعمارنا، وبعضها يأخذ إلى الله؛

والبصيرة أن نعرف الفرق.