اليوم، 28 أيلول، تصادف الذكرى السادسة والخمسون لرحيل جمال عبد الناصر؛ رجلٍ ترك بصمة عميقة في تاريخ مصر والعالم العربي، واختلف الناس حول تجربته كما اختلفوا حول سياساته وأخطائه.

في مصر، ارتبط عهده بإصلاحات اجتماعية واقتصادية عميقة، من بناء السد العالي، الى توسيع التعليم والخدمات، وتأميم قناة السويس، وترسيخ استقلال القرار المصري في مواجهة النفوذ الأجنبي.

ومن أبرز ما غيّر وجه مصر اجتماعيًا، الإصلاح الزراعي الذي ضرب جذور الإقطاع وحدّ من تركز الأرض في أيدي قلة من كبار الملاك، وأعاد توزيع جانب من الملكيات على صغار الفلاحين، لينتقل آلاف من الفلاحين من موقع الأجير إلى موقع المالك. ولم يكن ذلك مجرد إجراء اقتصادي، بل كان تحولًا في بنية المجتمع المصري نفسه، وإن بقيت للتجربة آثارها وحدودها التي يحق للتاريخ أن يناقشها.

وقد ارتبط مشروعه، في الوقت نفسه، بفكرة أن استقلال مصر لا ينفصل عن قضايا العالم العربي.وكانت فلسطين في صلب سياسته العربية.

نعم، كانت في تجربته أخطاء، وكانت له سياسات وقرارات ما زالت موضع نقد تاريخي، كما كيلت له من خصومه اتهامات كثيرة.

لكن الإنصاف لا يعني أن نبرئ الرجل من أخطائه، كما لا يعني أن نمحو إنجازاته بسببها.

وربما كان المشهد الأكثر دلالة على حجمه التاريخي يوم رحيله.

ففي جنازته، لم يكن الحزن مصريًا فقط؛ جاءت وفود العالم، ونعته عواصم ودول كانت على خلاف سياسي عميق معه. وحتى الولايات المتحدة، التي كانت علاقتها بمصر الناصرية شديدة التوتر، تعاملت مع رحيله بوصفه حدثًا ذا وزن دولي. ووصفته الحكومة الألمانية الغربية، رغم القطيعة الدبلوماسية القائمة آنذاك، بأنه شخصية ذات «قوام دولي» تركت أثرًا حاسمًا في مصير بلدها.

أما شعبه، فقد خرج في تشييعه الملايين في مشهد وصفته الصحافة الفرنسية بأنه تعبير عن صدمة شعب فقد قائده.

هنا ربما تكمن المفارقة:قد يختلف القريب معك حتى ينسى فضلك، لكن التاريخ، حين يهدأ ضجيج الخصومة، يعيد وضع الأشياء في أحجامها.

ستة وخمسون عامًا مرت على رحيله، وما زال جمال عبد الناصر حاضرًا في الذاكرة العربية.ليس لأنه كان بلا أخطاء،بل لأن بعض الرجال، مهما اختلف الناس حولهم، يصبحون أكبر من الخصومة التي أحاطت بهم.