توقّفني في القرآن ثلاثة ألفاظ للرجوع إلى الله:

﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ…﴾

﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾

﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.

واللافت أن الألفاظ الثلاثة، في ظاهرها، تدور حول معنى واحد: الرجوع إلى الله.

فما الذي يتغيّر حتى يكون الرجوع توبة، أو إنابة، أو أوبة؟

لعلّ الفعل واحد، لكن الباعث الذي يحرّك القلب إليه يتغيّر.

فإذا رجع الإنسان عن المعصية خوفًا من عقاب الله، فهو تائب؛ رأى عاقبة الذنب فخاف منها، فتركه ورجع.

وإذا رجع عنها حياءً من الله، فهو منيب؛ يستحضر أن الله يراه، فيستحيي أن يكون حيث نهاه، أو أن يراه ربّه في موضع لا يرضاه.

فالحياء هنا ناشئ من استحضار نظر الله إليه.

أما إذا رجع عنها تعظيمًا لجلال الله، وإجلالًا لكماله، فهو أوّاب؛ لأن الأمر لم يعد متعلقًا فقط بالعقوبة، ولا فقط بأن يراه الله على ما يكره، بل أصبح في قلبه من معرفة الله وتعظيمه ما يجعله يستقبح أن يقابل كماله بالعصيان.

وهنا يظهر الفرق الدقيق:

الحياء يقول: كيف أفعل هذا والله يراني؟

والتعظيم يقول: كيف أفعل هذا وأنا أعرف من هو الله؟

في الحياء، يستحضر العبد نظر الله إليه؛

وفي التعظيم، يستحضر جلال الله في قلبه.

فالفعل واحد: الرجوع عن الذنب،

لكن القلب يرتقي في باعثه:خوفًا من العقاب توبة وحياءً من الله إنابة وتعظيمًا لله ومعرفةً بجلاله وكماله أوبة.

ولعلّ أعمق الرجوع أن لا يترك العبد الذنب لأنه يخاف ما وراءه فحسب، بل لأنه عرف ربّه، فعظّمه، فلم يعد يرضى أن يقف بين يديه بما لا يليق بمقامه.