اذا صلُح القلب عظم القليل
قد يظن الإنسان أن القرب من الله يُقاس بكثرة ما يظهر من عمله، بينما قد تكون هناك أعمال لا يراها أحد، ولا تُسمع بها الألسنة، ولا تُلتقط لها صورة، لكنها عند الله عظيمة.
يقول الله تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
ومن أجمل ما يُروى في هذا المعنى، أن النبي ﷺ قال لأصحابه عن رجل:
«يدخل عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة».
فدخل رجل من الأنصار، وتكرر ذلك في أكثر من مجلس، وكان الرجل نفسه.
فأراد عبد الله بن عمرو بن العاص أن يعرف: ما الذي بلغ بهذا الرجل هذه المنزلة؟
فتبعه، واستأذنه أن يبيت عنده ثلاث ليالٍ، فأجابه الرجل إلى ذلك.
ومضت الليالي الثلاث، فلم يرَ عبد الله رضي الله عنه من كثرة العبادة ما كان يتوقعه؛ لا قيامًا زائدًا، ولا صيامًا زائدًا، ولا عملًا ظاهرًا يميّزه عن غيره.
فلما انتهت المدة، أخبره بسبب مبيته عنده، وسأله عما يرجو أن يكون سبب هذه البشارة.
فقال الرجل، بمعنى ما ورد في الرواية:
ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد غلًّا، ولا أحسد أحدًا على خير آتاه الله إياه.
فقال عبد الله بن عمرو :
هذه التي بلغتَ بها.
وهنا تتوقف القصة أمام معنى عظيم:
قلبٌ لا يحمل حقدًا.
قلبٌ لا يبيت على ضغينة.
قلبٌ لا يحسد.
قلبٌ يرضى بقسمة الله.
قلبٌ يتمنى الخير للناس، وإن لم يكن الخير عنده.
ولذلك جاء أعظم مشهد للنجاة في القرآن مرتبطًا بالقلب:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
فربما كان أعظم ما تحتاج أن تصلحه في آخر الطريق ليس ما يراه الناس منك، بل ما لا يراه أحد في داخلك.
فالطريق إلى الله ليس كله أفعالًا تُضاف إلى رصيدك، بل أحيانًا أشياء تُنزَع من قلبك:
حقدٌ، وحسدٌ، وكِبرٌ، وضغينةٌ، وسوء ظن.
وحين يسلم القلب، يصبح العمل القليل عظيم الأثر،لأن قيمة العمل ليست في صورته وحدها، وإنما فيما يحمله القلب وراءه.
قد تكون لك عند الله عبادة لا يعلم بها أحد
دعوةً صادقة لمن أساء إليك،
أو عفوًا عمّن ظلمك،
أو فرحًا بنعمة أنعم الله بها على غيرك،
أو قلبًا أبيض لم تغيّره خصومة ولا أذى.
وهذه من أصعب العبادات.
لأنك تستطيع أن تخدع الناس بصورة عملك،
لكنك لا تستطيع أن تخفي قلبك عن الله.