وُلد فرنسيًا، لكنه اختار أن يكون فلسطينيًا.
اسمه فرنسوا غاسبار، الفنان الفرنسي الذي عاش في القدس، وتعلّم العربية، وعاش تفاصيل المكان وأهله، حتى لم تعد فلسطين بالنسبة إليه مجرد أرضٍ أقام فيها، بل أصبحت قضيةً وهويةً وذاكرة.
اختار لنفسه اسم أبو سالم، وعاد إلى فلسطين ليضع موهبته في خدمة المكان الذي اختار أن ينتمي إليه.
لم يكتفِ بالكلام عن فلسطين، ولم يجعل انتماءه إليها شعارًا يُرفع في المناسبات.أسس المسرح.
وفي عام 1977 أسس، مع مجموعة من الفنانين، فرقة الحكواتي في القدس، التي أصبحت لاحقًا من أهم تجارب المسرح الفلسطيني.
كان يستطيع أن يعيش فنانًا فرنسيًا، وأن يحمل ثقافته الأوروبية، وأن يكتفي بمسيرته الفنية بعيدًا عن صراع الأرض والهوية.لكنه اختار شيئًا آخر.
اختار أن يجعل الفن وسيلةً لحفظ الذاكرة، والتعبير عن الناس، ورواية حكايتهم.
وهنا تبدأ الحكاية التي تعنينا نحن أكثر من حكايته هو.
فما معنى أن تنتمي إلى أرض؟هل الانتماء أن تولد فيها؟
أن تحمل اسمها؟أن ترفع علمها؟أن تتحدث عنها كثيرًا؟
أم أن الانتماء الحقيقي هو أن تسأل نفسك:
ماذا أعطيتُ لهذه الأرض التي أقول إنها أرضي؟
أبو سالم لم يولد فلسطينيًا، لكنه بنى للفلسطينيين مسرحًا.لم يرث هذه الهوية بالدم، لكنه حملها بالفعل.
وهذا هو الفرق بين هوية نرثها وهوية نتحمل مسؤوليتها.
هناك من يولد داخل وطنه، ثم يقضي حياته يأخذ منه كل شيء:الاسم، والمكان، والامتياز، والذاكرة، والانتماء،ولا يترك له شيئًا.
وهناك من يأتي من خارج المكان، فيراه أهلًا له، فيمنحه من عمره وفنه وفكره، حتى يصبح جزءًا من حكايته…

