تأملوا كيف يخاطب الله الإنسان حين يبلغ من الخطأ مبلغًا عظيمًا.لم يقل: يا فاسقين، ولا يا غافلين، ولا يا مذنبين.بل قال:
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
يا عبادي.
حتى الذين أسرفوا على أنفسهم، لم يُسقط عنهم الله عبوديتهم، ولم يحبسهم في أسوأ ما فعلوا.
بل فتح لهم الباب:﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
بل أكثر من ذلك:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
الله لا يقول للإنسان:أنت خطؤك.بل يقول له: يمكنك أن تتغيّر.

والقرآن لا يريد منا أن نحكم على الناس من لحظة عابرة من حياتهم، فقال:﴿عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
قد ترى إنسانًا اليوم في موضع ضعف، ولا تعلم أين سيكون غدًا.
وقد ترى نفسك اليوم مستقيمًا، ولا تعلم ماذا تخبئ لك الأيام.

ولهذا قال:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾.
نحن لا نعرف القلوب.ولا نعرف الخواتيم.ولا نعرف كم مرة بكى إنسان بينه وبين الله على ذنب لا نعرف عنه شيئًا.
ولا نعرف أي قلبٍ سيكون غدًا أقرب إلى الله.
لذلك نهى الله عن السخرية:﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
ونهى عن اللمز:﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
ونهى عن التنابز بالألقاب:﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
وكأن القرآن يقول لنا:لا تجعلوا من عثرة إنسان هويةً له.
لا تحوّلوا خطأه إلى لقب.لا تجعلوا ضعفه مادة للسخرية.
لا تستعملوا ماضيه سلاحًا في وجهه.فالله الذي رأى ذنبه، لم يعيّره به، بل دعاه:يا عبادي.

فكيف نرى نحن ذنب إنسان، ثم نعتقد أن من حقنا أن نهينه به؟
كيف نسخر من شخص لأننا نراه اليوم في مكانٍ نظنه أدنى منا؟

ألا يكفي أن نتذكر:﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾؟

لسنا صالحين بقوتنا وحدها.ولسنا أفضل من غيرنا بما نملك.إنها رحمة الله وستره وفضله.

ولذلك، حين ترى إنسانًا يسقط، لا تتعالَ عليه.ارفعه إن استطعت.وحين ترى إنسانًا أخطأ، لا تختصره في خطئه.
اترك له مساحة للعودة.
وحين ترى إنسانًا تغيّر، لا تذكّره دائمًا بمن كان.

الله يغيّر.الله يغفر.الله يستر.الله يفتح أبواب العودة.
فلا تكن أنت الباب الذي يغلقه في وجه إنسان.

وإن صحّ عن بعض السلف قولهم:
«من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله»، فالمعنى الذي تؤكده آيات القرآن واضح: لا تأمن على نفسك، ولا تحتقر عاصيًا، ولا تجعل من نعمة الاستقامة سببًا للكبر على الناس.