حثّ الله الإنسان على السعي في طلب رزقه، ولم يجعل التوكّل انتظارًا بلا عمل، فقال تعالى:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾
وقال سبحانه:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
فالقرآن يعلّم الإنسان أن يسعى، ويعمل، ويأخذ بالأسباب، ويبتغي من فضل الله.
ثم يأتي قول النبي ﷺ ليضع لهذا السعي حدَّه الذي يحفظ للقلب توازنه، وللإنسان كرامته:
«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك…»
فليس المطلوب أن تترك الأسباب، بل أن تأخذ بها دون أن تتعلّق بها؛
وأن تتعامل مع الناس، دون أن تجعل قلبك أسيرًا لما في أيديهم.
قد يكون إنسانٌ سببًا في رزقك، لكنه ليس صاحب رزقك.
وقد يغلق أحدهم بابًا في وجهك، لكنه لا يستطيع أن يغلق بابًا فتحه الله لك.
وقد يجتمع الناس على منعك، فلا يمنعون عنك ما كتبه الله لك.
وهنا تتجلّى عناية الإسلام بكرامة الإنسان وتوازنه النفسي:
يسعى في الدنيا، لكن لا يبيع كرامته من أجلها؛
يأخذ بالأسباب، لكن لا يخاف منها ولا يعبدها؛
يطلب حاجته، لكن لا يجعل رزقه معلّقًا برضا الناس.
لذلك، فالتوكّل ليس أن تتوقف عن السعي، كما أن السعي ليس أن تنسى ربّ الأسباب.
اسعَ، ولكن لا تتعلّق بسعيك.
خذ بالأسباب، ولكن لا تجعل قلبك أسيرًا لها.
اطلب رزقك، ولكن اطلبه بعزّة نفس.
فما كتبه الله لك سيأتيك، وما لم يكتبه لك لن تناله،
ولو اجتمع الناس كلهم على أن يعطوك إياه.
فالرزق يُطلب بالسعي، لكن لا يُطلب بالذل؛
لأن الأسباب قد تكون في أيدي الناس، أما الرزق ففي يد الله.