كلُّ فريقٍ يرفع رايته، وكلُّ صاحب قضيةٍ يزعم أن الله يؤيّده.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: مَن يقول إن الله معه.بل: مع مَن يكون الله؟
والقرآن لا يتركنا في الحيرة، بل يضع لنا الميزان:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل: 128]﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة: 153]
﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46]
والله مع المؤمنين:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال: 19]
ومع أهل التقوى والإحسان:﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
وهو سبحانه يحب العدل:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[المائدة: 42]
ويأمر به حتى مع الخصومة:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 8]
ويقول:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[النحل: 90]
ويقول:﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾[النساء: 135]
وفي المقابل، لا يحب الظلم:﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[آل عمران: 57]
ولا يحب الاعتداء:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة: 190]
ولا الخيانة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾[الأنفال: 58]
ولا الفساد:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[المائدة: 64]
ولا الاستكبار:﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾[النحل: 23]
وفي السنة يقول النبي ﷺ:
«يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»
ويقول ﷺ:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»
ويقول ﷺ:
«من لا يَرحم لا يُرحم»
فليست المسألة: مَن رفع اسم الله؟
ولا: مَن أكثر من الحديث عن الله؟
ولا حتى: مَن قال إن الله معه؟
إنما السؤال:
مَن كان مع الحق والعدل والرحمة والتقوى والإحسان؟
فالله يقول بوضوح:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
وهنا، بعيدًا عن صخب الجماعات وعصبية الانتماءات، تأتي شهادة أخرى لا يستطيع الإنسان أن يهرب منها طويلًا: شهادة نفسه.
فالنفس السوية، حين تتحرر من الهوى والتعصب، تعرف في داخلها أن للعدل طعمًا، وللظلم ثقلًا، وللرحمة نورًا، وللعدوان قسوةً لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
وقد أقسم الله بالنفس، فقال:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[الشمس: 7–8]
فالنفس تعرف فجورها وتقواها، وإن حاول العقل أن يبرر، وإن حاول الهوى أن يزيّن، وإن حاول الانتماء أن يقلب الموازين.
ولهذا، حين يهدأ ضجيج الرايات، وتسقط عن الحق أسماء الجماعات، وتقف النفس أمام ربها بلا جمهور ولا مبررات، فإنها — إن بقيت فيها سلامة الفطرة — تعرف في أعماقها: مَن كان مع الله، ومَن كان يطلب أن يكون الله معه.

