جمعة مباركة

قصة موسى والخضر عليهما السلام — الدرس الثالث من سورة الكهف

من أعمق ما تكشفه القصة الثالثة من سورة الكهف أن الإنسان، مهما بلغ علمه ومقامه، لا يحيط بكل العلم، ولا يستطيع أن يرى من الأحداث إلا ما أُتيح له أن يراه حاضرًا أو مستقبلًا.

حين ظنّ موسى عليه السلام أنه بلغ غاية العلم، علّمه الله درسًا لن ينساه، وجعله درسًا للتاريخ وللإنسانية جمعاء؛ درسًا لا يخص فئةً دون أخرى، بل يمسّ الناس جميعًا، لأنه يتصل بأحد أكثر أسرار الحياة إقلاقًا للإنسان: علم القدر، وحدود قدرتنا على فهم ما يجري لنا.

فأوحى إليه أن هناك عبدًا من عباده آتاه رحمةً من عنده، وعلّمه من لدنه علمًا، هو الخضر، الذي ذهب موسى للقائه، لا ليعلّمه، بل ليتعلّم منه.

وهنا تبدأ الرحلة.

رحلة نبيٍّ من أولي العزم، يطلب العلم من عبدٍ علّمه الله علمًا لم يؤته إياه في ذلك المقام.

يركب الاثنان سفينةً، فيخرقها الخضر. فيرى موسى فعلًا يهدّد أرزاق أصحابها، فيستنكره؛ ثم يلتقيان غلامًا فيقتله الخضر، فيشتد إنكار موسى؛ ثم يبلغان قريةً يستطعمان أهلها، فيأبى أهلها أن يضيفوهما، ومع ذلك يقيم الخضر جدارًا يكاد يسقط فيها، من غير أن يطلب أجرًا من قومٍ بخلوا عليهما حتى بالطعام.

في كل مرة، يرى موسى الفعل، ويحكم عليه وفق ما يظهر له، فيعترض؛ وفي كل مرة يذكّره الخضر بأنه لن يستطيع معه صبرًا.

لكن لماذا؟

لأن موسى كان يرى ظاهر الحدث، بينما كان الخضر، بعلمٍ علّمه الله إياه، يعرف من أمره ما لم يكن موسى يعرفه.

إلى أن جاءت اللحظة التي كُشفت فيها أسرار الأفعال الثلاثة، وانفتح أمام موسى بابٌ من العلم يقلقنا جميعًا، لأنه لا يخصّ موسى وحده، بل يمسّ كل إنسان: كيف نحكم على ما يحدث لنا، ونحن لا نعرف ما تخفيه الأيام، ولا ما قد تكشفه لنا عواقب الأحداث؟

في قصة السفينة، قال الخضر:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.

﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾.

يا لروعة الأدب في التعبير! ينسب الخضر فعل إحداث العيب إلى نفسه، مع أن القصة تنتهي بتأكيده أنه لم يفعل شيئًا عن أمره. وفي هذا التعبير ملمح بليغ من الأدب في الحديث عن الله، ومن تجنّب نسبة ما يبدو نقصًا أو ضررًا إليه في مقام الشرح.

لقد أحدث عيبًا في سفينةٍ يملكها مساكين، ليحميها من ملكٍ كان يغتصب السفن الصالحة. فما بدا إفسادًا كان، في المآل الذي كشفه الله له، حمايةً من خسارة أكبر.

كم من مرةٍ في حياتنا رأينا بابًا يُغلق، فحسبناه نهاية الطريق، ولم نكن نعلم ما الذي كان ينتظرنا خلفه؟ وكم من خسارةٍ آلمتنا، لأننا لم نرَ إلا ما فقدناه، دون أن نعرف ما كان يمكن أن نفقده لو بقي كل شيء على حاله؟

وفي قصة الغلام، قال:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۝ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.

وهنا تبلغ القصة أشدّ مواضعها إيلامًا وإثارةً للأسئلة: كيف يقع فقدٌ لا يكاد القلب يحتمل تصوّره، ثم نكتشف أن وراءه من الحكمة ما لم نكن نعلم؟

في هذه القصة، لا نتوقف أمام ألم الفقد وحده، بل أمام حدود علم الإنسان حين يواجه حدثًا لا يستطيع تفسيره، ولا يتخيّل له مآلًا مختلفًا عمّا يراه في لحظته.

ومع ذلك، ينبغي ألّا ننسى أن ما كُشف للخضر كان علمًا خاصًا آتاه الله إياه؛ فلا نملك نحن علم الغيب، ولا يجوز لنا أن نجزم بأن كل فقدٍ نعيشه له التفسير نفسه، أو أن ننسب إلى الله حكمةً محددة لم يكشفها لنا.

إنما نتعلم أن جهلنا بالحكمة لا يعني غيابها، وأن حدود إدراكنا ليست حدود علم الله.

أما في قصة الجدار، فقد قال الخضر:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.

وهنا يتبدّل التعبير، وتبلغ القصة غايتها التأملية.

ففي السفينة قال: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وفي الغلام قال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾، أما في الجدار فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾.

ثم ختم بيانه بقوله:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.

فلم يدّعِ لنفسه علمًا مستقلًا، ولم ينسب إلى نفسه إحاطةً بالحكمة، بل ردّ الأمر إلى مصدره، وأظهر أن ما فعله لم يكن اجتهادًا شخصيًا من عنده.

وفي قصة اليتيمين، لم يكن الجدار مجرّد بناءٍ يُرمَّم، بل كان حمايةً لحقٍّ ينتظر صاحبيه حتى يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما. لم يكونا قد بلغا بعدُ السنّ التي تمكّنهما من حفظ حقهما، فجاءت العناية الإلهية لتصون لهما ما ينتظرانه في المستقبل.

يا لها من صورةٍ تفتح أمامنا بابًا للتأمل في التأخير!

فقد يتأخر أمرٌ نريده، فنظن أننا حُرمنا منه، بينما قد يكون في التأخير حفظٌ لنا، أو صيانةٌ لحقٍّ لم يحن وقت استيفائه، أو تهيئةٌ لمرحلةٍ لم نبلغها بعد.

وهكذا، تكشف لنا القصص الثلاث صورًا مختلفة من علاقتنا بالقدر:

قد نرى خسارةً، كما في السفينة التي خُرقت لتحتمي من خسارة أكبر.

وقد نعيش فقدًا موجعًا، كما في قصة الغلام، حيث كُشفت لموسى حكمةٌ لم يكن يعلمها.

وقد نختبر تأخيرًا، كما في قصة اليتيمين، اللذين حُفظ كنزهما حتى يبلغا أشدّهما ويستخرجاه.

وقد نمرّ بانكسارٍ لا نفهمه، أو بابٍ يُغلق في وجوهنا، أو طريقٍ يتعثر رغم كل ما بذلناه من جهد.

لكن قصة موسى والخضر لا تطلب منا أن نكفّ عن السؤال، ولا أن نقبل الظلم بحجة القدر، ولا أن نبرّر كل ألمٍ بتفسيرٍ غيبيٍّ من عندنا؛ بل تدعونا إلى التواضع أمام ما نجهل، وإلى ألّا نخلط بين ما نعرفه وما نظنّه، وبين ظاهر الحدث وحقيقته الكاملة.

فنحن نعيش الحدث، لكننا لا نملك دائمًا تفسيره الكامل، كما حصل مع موسى عليه السلام.

نرى ما وقع، لكننا لا نحيط بما كان سيكون لو لم يقع. نحكم على ما نراه الآن، لكننا لا نملك كل المعطيات التي تسمح لنا بالإحاطة بمآلاته.

وهنا يلتقي العلم بالقدر، ويلتقي العقل بالتواضع، ويلتقي عجز الإنسان عن الإحاطة بحاجته إلى الثقة بالله.

ولعلّ أعظم ما نتعلّمه من هذه الرحلة أن نقول، حين تعجز معرفتنا عن تفسير ما يجري: لا أعلم كل الحكمة، لكنني أعلم أن علم الله أوسع من علمي.

وأن أستحضر أسماء الله التي تفتح للقلب أبواب الرجاء: فهو العليم، والحكيم، والقدير، والرحمن، والرحيم، واللطيف، والرؤوف، والبرّ، والوهاب.

هو العليم الذي لا تخفى عليه خافية، والحكيم الذي لا تحيط العقول بحكمته، والقدير الذي لا يعجزه شيء، والرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، واللطيف الذي يدبّر الأمور من حيث لا نحتسب، والرؤوف بعباده، والبرّ الذي تتجلّى آثار إحسانه في وجوهٍ لا نحصيها من الخير.