ليست كل العبادات أفعالًا تُرى

فمن أعظم العبادات عبادةٌ محلها القلب،

لكن آثارها تظهر في المواقف: أن تحسن الظن بالله.

وحسن الظن لا يُختبر حين تأتي الأمور كما نريد،

بل حين نُبتلى، أو ننتظر، أو تضيق بنا الأسباب،

ولا نعرف كيف سيأتي الفرج.

وحسن الظن بالله ليس أن تتمنى ما تريد، ولا أن تتجاهل صعوبة الواقع، ولا أن تظن أن الحياة ستسير دائمًا وفق رغبتك؛

بل أن ترى قدرة الله فوق كل سبب، وحكمته وراء كل قدر، ورحمته في كل ما يجري، وأن يبقى قلبك واثقًا به حتى حين لا ترى في الأفق مخرجًا.

ولذلك فإن أجمل ما يعرّفنا بهذه العبادة هو أن نتأملها في حياة الأنبياء.

يونس عليه السلام في ظلمات بطن الحوت، وظلمات البحر، وظلمات الليل؛ لم يكن يملك سببًا واحدًا ظاهرًا للنجاة، لكنه لم يفقد صلته بربه، فناداه:

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

وإبراهيم عليه السلام أُلقي في النار، فكان يقينه بالله أكبر من النار، فجاء الأمر الذي لا يعجزه شيء:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنبياء: 69].

وأم موسى دفعت فلذة كبدها إلى اليمّ بأمر الله، وفي قلبها خوف الأم، لكن وراء الخوف ثقة بوعد الله:

﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[القصص: 7].

وموسى عليه السلام، حين أدركه قومه والبحر أمامه وفرعون وجنوده خلفه، قال من قلب لا يرى الهزيمة وإن رأى كل أسبابها:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[الشعراء: 62].

ويوسف عليه السلام طال به البلاء؛ من الجب إلى الرق، ومن الرق إلى السجن، لكنه لم يسمح للابتلاء أن يعلّمه سوء الظن بربه. وظلّ متمسكًا بالصبر والتقوى، حتى قال:

﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 90].

وفي غار ثور، حين بلغ الخطر غايته، قال رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله السلام لصاحبه:

﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[التوبة: 40].

هذه هي عبادة حسن الظن بالله:

أن تكون الأسباب كلها ضدك، ولا يكون الله في قلبك ضدك.

أن تخاف، لكن لا تيأس.

أن تتألم، لكن لا تعترض على ربك.

أن لا تعرف كيف سيأتي الفرج، لكنك تثق أن الله يعرف.

أن ترى الباب مغلقًا، ولا تستنتج أن الطريق انتهى؛

لأنك تؤمن بمن يملك مفاتيح الأبواب كلها.

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:

«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني…»

فأي قلب هذا الذي يسيء الظن بربه، وربه يقول له: أنا عند ظنك بي؟

وحين يستقر هذا المعنى في القلب، نفهم أيضًا معنى القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[يس: 82].

فـ«كن فيكون» ليست دعوة إلى انتظار المعجزات بلا عمل، وإنما تربية للقلب على ألا يجعل الأسباب أكبر من مُسبِّبها، ولا الواقع أقوى من قدرة الله.

اعمل بما تستطيع، وخذ بالأسباب، وابذل جهدك؛ ثم سلّم ما لا تملك لمن يملك كل شيء.

حسن الظن بالله أن تعمل في الأرض بقلبٍ معلّق بالسماء.

وأن تظل، وسط كل ما لا تفهمه، قادرًا على أن تقول:

يا رب، لا أعرف كيف ستدبّرها، لكنني أعرف أنك لن تضيعني.

فمن عرف ربّه، أحسن الظن به.

ومن أحسن الظن به، لم يكن البلاء آخر الحكاية في قلبه؛ لأن وراء كل قدرٍ ربًّا حكيمًا، ووراء كل ضيقٍ ربًّا قادرًا، ووراء كل «مستحيل» ربًّا يقول للشيء:كن فيكون.