لطالما تساءلت عن سرّ سورة الإخلاص.
لماذا أعطاها رسول الله ﷺ هذه المكانة العظيمة، وقال عنها إنها تعدل ثلث القرآن؟
كنت أشعر كلما قرأتها أن فيها شيئًا أكبر من مجرد إخبارنا بأن الله واحد احد.
كنت أشعر أنها تحصّن القلب والعقل من شيء ما، لكنني لم أكن أعرف تمامًا ما هو.

حتى قرأت عن بعض التصورات في الفكر الهندوسي، وخصوصًا تلك التي ترى أن الله والكون في النهاية حقيقة واحدة.
بمعنى بسيط: ما نراه من كائنات ومخلوقات وأشياء متعددة ليس منفصلًا في حقيقته النهائية عن الله، بل إن الخالق والمخلوق يعودان إلى وحدة واحدة؛ اي ان الله مندمج بكونه وان الله والخلق واحد احد.

وهنا فهمت لماذا كان القرآن حريصًا جدًا على أن يعرّفنا بالله، وأن يرسم بوضوح العلاقة بين الخالق والخلق.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.الله واحد احد.
لكنها لا تقول إن كل شيء هو الله.
بل تقول:﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
هو الذي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء.
ثم تأتي الآية التي ترسم الحد الفاصل:
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.الله ليس جزءًا من سلسلة الموجودات.
ثم تختم:
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.لا شيء يماثله.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وهذه كلمة فاصلة:الله خالق، وكل ما سواه مخلوق.
الله ليس جزءًا من الكون، والكون ليس جزءًا من الله.
نحن مخلوقون، وهو الخالق.
نحن محتاجون، وهو الغني.
نحن عبيد، وهو الرب.
ولهذا تقول سورة الإخلاص:﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ويقول القرآن بوضوح أشد:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

إذن، التوحيد في الإسلام لا يعني أن نرى الله في كل شيء بمعنى أن كل شيء هو الله.
بل يعني أن نرى آيات الله في كل شيء.
السماء آية.والأرض آية.والإنسان آية.والحياة آية.لكن الآية ليست صاحبها.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ۝ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

وهنا تكمن عظمة التوحيد الإسلامي.
إنه يجعل الله قريبًا منا، دون أن يخلطنا به.نفتقر إليه، دون أن نكون هو.نحبه ونعبده ونرجع إليه، دون أن نرفع المخلوق إلى مقام الخالق.

وليس هذا مجرد اختلاف فلسفي.
فالتمييز بين الخالق والمخلوق يحفظ أيضًا معنى المسؤولية والأخلاق.
فالظالم ليس المظلوم.والقاتل ليس القتيل.والخير ليس الشر.

والإنسان مسؤول عن اختياره وعمله:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

أما إذا ذاب كل شيء في وحدة واحدة، يصبح من الصعب، من المنظور القرآني، أن نفهم كيف يقوم التكليف والجزاء على هذا التمييز الحقيقي بين الفاعل والفعل، وبين الخير والشر.

لهذا بدأت أفهم شيئًا من سرّ سورة الإخلاص.إنها لا تقول لنا فقط:الله واحد.بل تقول لنا، ضمنًا:اعرفوا من هو الله، واعرفوا من أنتم.

الله هو الله.والخلق هم الخلق.لا نعبد إلا الله، ولا نخلط الله بخلقه.

وهنا ربما كان أحد أسرار تحصين هذه السورة:
أنها تحمي التوحيد من الشرك، وتحمي صورة الله في العقل من التشبيه والخلط، وتحمي الإنسان من أن يضع نفسه أو شيئًا من الكون في مقام الخالق.

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.واحدٌ لا شريك له.ولا شيء يشبهه.
وكل ما سواه خلقه.الله واحد، وليس الكون واحدًا معه.
وربما لهذا كانت سورة الإخلاص، في كلمات قليلة، من أعظم ما يحفظ للإنسان صفاء علاقته بالله.